بين مركزية القرآن وإعادة بناء الإنسان والأمة
أفق نيوز| أعده للنشر | طارق الحمامي
في زمنٍ تتسارع فيه التحولات، وتتعاظم فيه التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية، تبرز رؤية الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه كواحدة من أبرز المشاريع الفكرية التي حاولت إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والقرآن، وبين الأمة ومصادر قوتها الحقيقية، لم تكن هذه الرؤية مجرد طرح وعظي أو ديني تقليدي، بل مشروعاً نهضوياً متكاملاً يسعى إلى إخراج الأمة من حالة التبعية والضياع، إلى فضاء الوعي والمسؤولية والبناء.
أزمة الابتعاد عن القرآن .. ضياع الأجيال وتجميد الطاقات
تضع رؤية الشهيد القائد يدها على جذر المشكلة، حين تعتبر أن الابتعاد عن التطبيق العملي للقرآن لم يكن مجرد خلل ديني، بل كارثة حضارية شاملة، فالأمة لم تخسر فقط بعدها الإيماني، بل خسرت أيضاً قدرتها على استثمار ما سخره الله لها من إمكانات هائلة، القرآن، في هذا السياق، ليس كتاب تلاوة فحسب، بل كتاب هداية شاملة، يفتح آفاق المعرفة، ويمنح الإنسان أدوات التفكير، ويحدد له مسار الحركة في الحياة، وعندما يُقصى هذا الدور، تتحول العلوم والمعارف إلى عوائق بدل أن تكون جسوراً، وتضيع المواهب، وتُهدر الأعمار دون تحقيق الغاية التي خُلق الإنسان لأجلها.
التسخير الإلهي .. من المفهوم القرآني إلى التطبيق العلمي
واحدة من أبرز الدلالات التي يبرزها الشهيد القائد هي مفهوم “التسخير” كما ورد في القرآن، هذا المفهوم لا يُفهم كحقيقة غيبية جامدة، بل كدعوة مفتوحة لاستكشاف الكون وتطويعه لخدمة الإنسان، ويضرب مثالاً لافتاً بالطاقة الشمسية، حيث تحولت أشعة الشمس التي تبعد ملايين الأميال إلى مصدر طاقة حيوي يُستخدم في تشغيل الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية، هذا التحول، بحسب الرؤية، هو تجسيد عملي لمعنى التسخير، ودليل على أن الإنسان، عندما يتحرك وفق التوجيه القرآني، قادر على اكتشاف إمكانات مذهلة في الكون، لكن المفارقة المؤلمة، أن هذه الاكتشافات جاءت متأخرة عن الأمة التي نزل عليها القرآن، بينما سبقتها إليها أمم أخرى لم تمتلك هذا المصدر الإلهي، وهو ما يعكس حجم الفجوة بين النص والتطبيق في الواقع الإسلامي.
القرآن كمنظومة معرفية .. لا بديل عنها ولا تعارض معها
في مواجهة النظرة السطحية التي تحصر القرآن في الجانب التعبدي فقط، يؤكد الشهيد القائد أن القرآن يمثل أعلى منظومة معرفية يمكن أن يستند إليها الإنسان، فهو لا يعارض العلوم الحديثة، بل يؤسس لها ويوجهها، ويمنحها البعد القيمي والإنساني، الرؤية هنا ترفض ثنائية “القرآن أو العلوم”، وتؤكد أن المشكلة ليست في العلوم، بل في الانفصال عن القرآن الذي يفقد هذه العلوم بوصلتها. فالقرآن هو الذي يفتح أبواب المعرفة، ويمنح الإنسان الدوافع لاستكشاف الكون، ويحدد له كيفية توظيف هذا الاكتشاف في خدمة الحق والعدل.
إعادة تعريف العبادة .. من المسجد إلى ميدان الحياة
من أبرز الأبعاد الفكرية في هذه الرؤية، إعادة تعريف مفهوم العبادة. فالتوجه إلى الله كما يؤكد الشهيد القائد لا يقتصر على المسجد، ولا تنحصر العلاقة بالله داخل جدرانه، هذه الفكرة تهدف إلى تحرير الوعي الديني من الجمود، وإعادة ربطه بالحياة اليومية، المساجد، رغم أهميتها، ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لبناء مجتمع متماسك ومتآلف، وعندما تتحول إلى عامل تفرقة أو شكلية فارغة، فإنها تفقد دورها الحقيقي، لذلك، يدعو الطرح إلى إعادة ترتيب الأولويات، بحيث يكون بناء الإنسان الواعي هو الأساس، وليس مجرد التوسع في البنيان.
الإنسان .. المنارة الحقيقية في مشروع النهضة
في قلب هذه الرؤية يقف الإنسان باعتباره المحور الأساسي لأي عملية تغيير، فالمسجد، والعلم، والإمكانات المادية، كلها تفقد قيمتها إن لم يوجد الإنسان الذي يعرف كيف يوظفها، “المنارة الحقيقية” كما يصفها الشهيد القائد، هي الإنسان الذي يتربى على أساس القرآن، ويستمد منه وعيه، ويتحرك وفق توجيهاته، هذا الإنسان هو الذي يمنح الحياة للمؤسسات، ويحول الإمكانات إلى إنجازات، وهو في الوقت ذاته القادر على إفشالها إذا غاب عنه الوعي.
الدلالات الاستراتيجية للرؤية .. مشروع نهضوي متكامل
تحمل هذه الرؤية في طياتها دلالات استراتيجية عميقة، يمكن تلخيصها في عدة محاور تبدأ باستعادة الاستقلال الحضاري، عبر العودة إلى القرآن كمصدر توجيه، بدلاً من التبعية الفكرية، وتحرير الطاقات من خلال إعادة توجيه المواهب نحو البناء والإنتاج، والربط بين الدين والحياة بما يلغي حالة الانفصام بين القيم والممارسات ، وإعادة ترتيب الأولويات بوضع الإنسان في مقدمة مشروع البناء.
ختاما ..
ليست رؤية الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي مجرد خطاب ديني، بل محاولة جادة لإعادة بناء وعي الأمة من الداخل، إنها دعوة للعودة إلى القرآن، لا كرمز مقدس فحسب، بل كمنهج حياة قادر على صناعة الإنسان، وتحريك الطاقات، وبناء حضارة تستفيد من كل ما سخره الله في هذا الكون، وفي ظل ما تعيشه الأمة من أزمات، تبدو هذه الرؤية بكل ما تحمله من عمق وجرأة مشروعاً مفتوحاً للنقاش والتأمل، وربما مدخلاً ضرورياً لأي محاولة حقيقية للنهوض من جديد.