أفق نيوز
الخبر بلا حدود

جماليات توظيف الثقافة القرآنية في الخطاب الشعري قراءة في زامل “المقاطعة” للشاعر/ معاذ الجنيد

43

أفق نيوز| إبراهيم محمد الهمداني

امتاز المشروع القرآني بخطابه العقلاني الراقي، الذي يهدف إلى إعادة تفعيل بنية الوعي الجمعي، من خلال مخاطبة العقل بالأدلة والحجج والبراهين الواضحة، التي من شأنها إعادة الاعتبار لمكانة العقل وأهميته وضرورة تفعيله، للقيام بدوره ومهمته الفعلية في هذه الحياة، وهذا يؤكد حقيقة انبثاق المشروع القرآني وصدوره عن القرآن الكريم ذاته، الذي ارتكز على مخاطبة العقل، بإثارة التساؤلات، وتحفيزه على الإجابة، من خلال إخراجه من حالة الجمود والتلقي السلبي، والتصورات المسبقة والمقولات الجاهزة والتفكير الغيري المقولب، ومحاولة إعادة تفعيله في السياق الصحيح، أما بالتحضيض والحث الدائم، على ممارسة فعل التفكير ذاته، بقوله تعالى: “أفلا يتفكرون”، “أفلا يعقلون”، ” أفلا يتذكرون”، ” أفلا يبصرون”، وأما ببيان مزية أصحاب العقول، باختصاص توجيه الخطاب القرآني إليهم أولاً قبل غيرهم، كونهم الأعرف بحقيقته وعِظم حججه ومعجزاته، فكان اختصاصهم بالخطاب القرآني وآياته المتوجهة؛ “لقوم يعقلون”، “لقوم يوقنون”، “لقوم يعلمون”، “لقوم يتفكرون”، “لقوم يؤمنون”، ….. إلخ، وفي الجانب الآخر، نرى الخطاب القرآني، يذم أولئك الذين رفضوا خطاب العقل، ونزعوا – متعصبين للعاطفة – تجاه الأسلاف، بقولهم: “هذا ما وجدنا عليه آباءنا”، أو تجاه هوى النفس والاستكبار، حين قالوا: “لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم”، وهو ما يثبت أنهم أنكروا عقولهم، و”جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا”.
بذات المنطق العقلاني القرآني، جاء مشروع الثقافة القرآنية، على يد الشهيد القائد حسين بدرالدين الحوثي – رضوان الله عليه – ليعيد الاعتبار للإنسانية كقيمة مطلقة، والعقل كقيمة خاصة، بوصفه قناة الاتصال والتواصل، في عملية بناء الوعي وصياغة المفاهيم والتصورات، لدى أبناء المجتمع المسلم، ويُعد هذا المشروع الترجمة الفعلية والتجسيد الحركي للنص القرآني – بما هو دستور حياة ومنهج شامل -، الذي يرى ضرورة تجسيد الاعتقاد، واقتران القول بالفعل، منكرا على من رأى خلاف ذلك، “لم تقولون ما لا تفعلون”، فذلك ذنب عظيم، “كبُر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون”.
وعلى هذا الأساس ومن هذا المنطلق والمبدأ، ارتكزت الثقافة القرآنية والمشروع القرآني التوعوي، للشهيد القائد (عليه السلام)، على ركيزتين أساسيتين:
الأولى: الرؤية؛ ويمثلها الشعار بمحمولاته الأيديولوجية والاعتقادية، ومضامينه الدلالية الواسعة، بما يحدد موقف الذات من الآخر، وتصورها للحياة والكون من حولها، والمصير الدنيوي والأخروي أيضاً، حسب نص ومدلولات الشعار:
الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام.
الثانية: الموقف الذي يجسده فعل المقاطعة للبضائع الأمريكية والإسرائيلية، ومن دار في فلكهما وحالفهما، وإذا كانت الرؤية قد نصت على إعلان البراءة من اليهود والنصارى، امتثالاً للأمر الإلهي الصريح، فإن الموقف يتجاوز القول والاعتقاد إلى الفعل، من خلال مقاطعة بضائع العدو ومحاربته في اقتصاده، الذي يُبنى أساساً من دمائنا وأشلائنا، وينمو على جوعنا وفقرنا وابتزاز ثرواتنا، وتحويل المنطقة كلها، إلى سوق استهلاكية مفتوحة، لمنتجات العدو سواءً الغذائية والتكنولوجية، أو الحربية والعسكرية ممثلة بالأسلحة، بعد أن جعل منا ساحة مفتوحة لحروبه، ومنتجات مصانعه الحربية.
تكمن أولى جماليات زامل “المقاطعة”، في استيعابه الكبير لمفاهيم ومفردات المشروع القرآني، ومحاولته ترجمتها في قالب شعري بديع، مترافقاً مع الأداء المتميز، للمنشد المبدع عيسى الليث، لتتسع دائرة التلقي هذه المرة، إلى نطاق واسع من الناس، الذين يفتحون للزامل ومضامينه وتنغيماته وتوقيعاته الموسيقية، وجدانهم وعقولهم وقلوبهم، وبذلك ينفتح خطاب “المقاطعة” على قاعدة جماهيرية واسعة، تتجاوز إطار الانتماء الفكري للمسيرة القرآنية، لتشمل جميع من استهدفهم هذا العدوان أو أياديه، في اليمن والوطن العربي والإسلامي والعالم بأكمله، تبعاً لمقدار المساحة التي سيشغلها هذا الصوت ويملؤها صداه، لتصبح “المقاطعة” الفعل الإجرائي الحاسم، الذي يُفترض أن يتخذه كل ضحايا الهيمنة الإمبريالية الصهيوأمريكية.
يا سلعة أمريكا مع إسرائيل با تترحلي
باقاطع أمريكا وحرض أخوتي وربعي وهلي

ما با نسلم قرش واحد فيش مانستسهله
مادامت أمريكا من السلعة توفر قنبلة

يبدأ الزامل بحرف النداء (يا)، الذي يتجاوز محمولة الدلالي، المنحصر في تنبيه المنادى المخصوص فقط، ليصبح في التوظيف السياقي الجديد، وسيلة لجذب المتلقي وإثارة انتباه أوسع قاعدة جماهيرية، وإثارتها وتحفيز اهتمامها، نظراً لما تقوم عليه طبيعة المنادى “سلعة أمريكا مع إسرائيل”، ذات الطابع المتسم بالجمود، وعدم القدرة على تلبية النداء أو التفاعل معه، بأي صورة كانت، خلافاً لما جرت عليه

العادة الجمعية، والعرف اللغوي والتواضع المجتمعي، في طبيعة المنادى وضرورة تفاعله.
ولكن حين يكون المنادى هو سلعة العدو، “أمريكا وإسرائيل – ومنتجاتهما”، فذلك يعني توجيه النداء والخطاب للعدو نفسه، ليعلم أن مقاطعة بضائعه من الأولويات، ضمن استراتيجية الرد والردع، التي لا تقل شأناً عن الصمود الشعبي، والمواجهات العسكرية في الجبهات، ولذلك يجب أن تكون المقاطعة حقيقية وكاملة، لا تساهل فيها ولا تجاوزات ولا تهاون، بل يجب أن يُحسب حساب أقل القليل “القرش”، وأن يعطى أهمية قصوى، فالسيل يبدأ بقطرة، كما أن التحريض على المقاطعة، يخرجها عن دائرة الاشتغال والتمثل الفردي، لتصل إلى المستوى الجماعي تصاعدياً، وتأتي الحجة لتخاطب العقل المتسائل: لماذا يجب أن نقاطع بضائع أعدائنا؟ وما جدوى تلك المقاطعة؟
فيأتي الجواب في نسق شعري بديع: “ما دامت أمريكا من السلعة توفر قنبلة”.
ولكن هل يعقل أننا نعين على قتل أنفسنا، ونوفر لأعدائنا الفرصة المثلى لتحقيق ذلك؟
نعم. خاصة إذا ما علمنا أن؛

“الببس بنزين الطواير ذي تدمر منزلي     واجب نقاطعها بداعي الدين وإلا القبيلة”
تأتي منتجات “البيبسي” كثيمة مهيمنة ومركزية، في سياق المشهد الحياتي، دالة على العدو ومنتمية إليه، ومعرِّفة عنه ومشيرة نحوه ولصيقه به، هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى، يعد “البيبسي” المنتج الأوسع انتشاراً، على مساحة الاستهلاك اليومي، رغم أنه ليس من ضروريات الحياة، إلا أنه أصبح واحداً من طقوسها، وتكمن جمالية التوظيف الشعري لهذا المنتج، بتصويره في تموضعه الجديد، وقوداً للطائرات، باعتبار مآل عائداته المالية، حيث تخصص نسبة من أرباحه، لدعم الكيان الإسرائيلي المحتل، وتزويده بالسلاح والطائرات، التي لا تعرف غير التدمير والقتل.
تتوجه هذه الصورة الشعرية، التي تتحول من الجمود إلى الحركة المشهدية، إلى العقل بأدلتها القوية، ليرى من خلالها كم هو مغدور به، ومستخف بشأنه مهدورة قيمته، ليأتي بعد ذلك القطع بحجية المقاطعة، كأمر حتمي “واجب نقاطعها بداعي الدين وإلا القبيلة”، تناغماً مع ما يفرضه الموقف الراهن، وإن لم يكن انطلاقاً من الدين، الذين يوجب ذلك، فليكن من باب القبْيَلة، وما تفرضه أسلافها وأعرافها وعاداتها وقيمها، ومن لم يكن له دين يمنعه، فليكن له حسب ونسب يردعه، عن الانزلاق في المواقف المشينة، أو التورط في التبرير للعدو وتأييد جرائمه.
والله ما اتخاذل وأنا المؤمن وربي لي ولي
دمر مصانعنا وأحرق كل منتج داخلي

با قاطعه واقاطعه واقاطعه واستأصلي
وأمسى يروج سلعته عندي فكيف اتقبله

يأتي صوت الذات الرافضة للهيمنة الاستعلائية والمشاريع الاستعمارية، لتؤكد بالقسم الصريح “والله”، ثباتها على موقف المقاطعة، وعدم تخاذلها أو ضعفها، منطلقة بضمير المتكلم الحاضر بقوة موقفه، والمستند إلى إيمانه، والمتوكل على الله ربه، والمتولي لله تعالى لا سواه، ليبلغ الإصرار مداه، والثقة ذروتها والفعل غايته، من خلال دلالات التكرار اللفظي لفعل المقاطعة ثلاث مرات، وإردافه بفعل الاستئصال، الذي يصور مشهد الاقتلاع من الجذور، وبذلك يتجاوز فعل المقاطعة دلالات الامتناع والرفض، ليصل إلى تجسيد حركي إيجابي، يبادر إلى استئصال واقتلاع، كل ما يعود بالنفع على العدو، سواء كانت البضائع وحركة المرور التجارية، أو أي شيء آخر، من شأنه تسهيل مهام العدوان، في قتلنا ونهب خيراتنا واستعبادنا، إضافة إلى ما يحمله التنغيم الموسيقي، وحسن التقسيم والتكرار، من دلالات تعاضد المعنى المركزي، التي تتراسل مع دلالات المفارقة، التي يحملها البيت الثاني، في خطابها العقلي القائم على مقارنة الصورة والمشهد، الذي رسمه ويرسمه العدو، حين دمر مصانعنا، وعطل البنية الاقتصادية في بلدنا، وقضى على كل صور ومظاهر الإنتاج الداخلي، – رغم بساطتها وقلتها – ليقيم على ركام اقتصادنا بنيته الاقتصادية، إذ يجعلنا واحداً من أسواقه ومعارضه الاستهلاكية الدائمة، في مفارقة صادمة ومرعبة، لا يقبلها عقل ولا يستسيغها منطق، ليختتم هذا المشهد بصدى مدوٍ لاستفهام استنكاري مرير، “كيف أتقبله”، أي وفقاً لأي منطق، وعلى أي مبدأ يمكن تبرير القبول بهذا العدو، وفي صورته الوحشية الراهنة؟!، لا يوجد أي مبرر ولا أدنى منطق…
تتوالى التساؤلات في صيغة استفهام استنكاري، يؤكد مكانه العقل وأهميته، انطلاقاً من رفضه لمثل هذه المواقف، إذ لا يعقل أن تقف في صف عدوك ضد نفسك، وتعينه على قتلك وتدميرك، والتحكم بقراراتك ومصيرك، وبعيداً عن كل توصيف واحتجاج ومنطق، فإن مثل هذه المواقف مرفوضة مطلقا، وتأباها الفطرة الإنسانية السوية، ناهيك عن العقل والمنطق وإلزامات الدين، فحتى الحيوان الذي لا عقل له، يرفض أن يقف تلك المواقف، فما بالك بالإنسان الذي كرمه الله تعالى، واستخلفه في أرضه.

“كيف أدعم اعدائي بمالي وادعي الله تنجلي   كيف ادعي حربي على الظالم وأنا ذي موله”
استفهام ينطوي على مفارقة عجيبة، يأباها العقل ويرفضها المنطق، إذ لا يصح من ذي عقل، القيام بالفعل ونقيضه في الوقت نفسه، “كيف أدعم أعدائي بمالي”؟، وفي نفس الوقت، “أدعي الله تنجلي”، على أي ساس أطلب من الله الفرج، وأنا سبب في استمرار الجرائم بحقي، وتزايد قوة عدوي، بما أدفع من خالص مالي، أليس الأحرى بنا إيقاف دعم عدونا بأموالنا، عوضاً عن الالتجاء الكاذب لله تعالى، وطلب الفرج والعون والنصر منه، أليس ترك الذنب أولى من طلب المغفرة، كما يقال.
“كيف أدعي حربي على الظالم وأنا ذي موله”، هنا يحقق التراسل الدلالي، قوة جديدة للمعنى وتأكيداً لسابقه، من خلال احتراف التكرار الإبداعي، الذي يجيد إعادة صياغة الفكرة في قالب جديد، مع بقاء مضمونها المركزي، وبذلك يفصح السياق الاستفهامي، عن مواضعة جديدة للذات، تخرجها عن كونها الضحية المستلبة، إلى كونها مجرمة مشاركة وضحية لا تستحق الرحمة، مادامت لم تع حقيقة الوضع، وطبيعة المؤامرات التي تحاك ضدها.

“ماشي زكا يانفس دامش بالحجج تتعللي     في السوق يا شعبي بدايل كل منتج بدله
محاربتها فرض بآيات الكتاب المنزلـــــــــــــي       بالشرع بالأعراف بالإنسانية بالمرجلــــــــــــة
يمكن القول أن ثقافة الشاعر لها دور كبير، في طبيعة استيعاب وفهم المفاهيم والمقولات، ومن ثم إعادة صياغتها في توظيف شعري، متقن وواعٍ بطبيعتها ومدلولاتها إلى حد بعيد، ومن ضمن تلك المقولات (زكاء النفس)، أي طهرها وقناعتها، ويأتي زكاء النفس منفياً هنا، حيث تتوجه الذات بالخطاب من الخارج الجمعي/ الحواري، إلى الداخل النفسي/ المنولوج، في أسلوب يحمل كثيراً من الرقي والأدب، حيث يأتي لوم النفس وتوبيخها ونفي الطهر عنها، حاملاً خطاباً ضمنياً للخارج الجمعي، إلى كل نفس مازالت تتوصل الأعذار الواهية والحجج الضعيفة، التي دائماً ما تجابهنا بالقول: وماذا بعد المقاطعة، ما هو البديل؟؟، غير أن المشكلة ليست في البديل وتوفره أو عدمه، المشكلة الحقيقية هي في مدى حصول الصدق مع الله تعالى، واليقين بوعده والثقة به، والتسليم له مطلقاً، أما البديل في ذاته، فليس حجة ذات قيمة، أو سبب حقيقي للاستمرار في استهلاك منتجات العدو، لأن المنتجات الأساسية بالإمكان توفير بدائل محلية لها، والمنتجات غير الأساسية يمكن الاستغناء عنها.
إن مقاطعتها ومحاربتها والحد من استنزافها لاقتصادنا، واجب شرعي وديني وقبلي وإنساني وقيمي وأخلاقي، وعلاوة على كل ذلك، فإن عدم مقاطعتها مخالف للفطرة السوية، كما أسلفنا.

“كما حملت البندق الرشاش باحمل معولي
بالله متوكل معه بازرع وباحصد سنبلي

واغرس بلادي خير وأواجه ظروف المرحلة
وما تخيب أمه بجبار السما متوكلة”

استطاع الشاعر توظيف “البندق الرشاش”، الدال على الموت، ليحمل دلالة مخالفة كلياً في هذا النص، حيث يتموضع (البندق الرشاش) في سياق الدفاع عن النفس، بوصفه الحق المكفول في جميع الديانات والشرائع السماوية، والقوانين والأعراف الوضعية، ليصبح “البندق الرشاش” دالاً على الحياة، أو جالباً لها أو سببا في تحقيقها، ك”المعول” تماماً، الذي يقابله ويعاضده تركيباً ودلالة، بل ويكمل أحدهما الآخر، في مسيرة البناء والانتصار للذات، والتمسك بحقها في الوجود والحياة والحرية والاستقلال، وبالبندقية والمعول ستواجه الذات المتكلمة، ظروف هذه المرحلة الصعبة، وبهما ومن خلالهما، ستسعى إلى تحقيق ذاتها ووجودها واستقلالها.
يأتي (المعول) كرمز للنشاط الزراعي، بوصفه إحدى البدائل المساعدة على تفعيل المقاطعة، والسعي نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في لقمة العيش، التي طالما استخدمها العدو للضغط علينا، واخضاعنا لمخططاته وهيمنته، ولم تكن الدعوة بالاهتمام بالزراعة وليدة اللحظة، بل سبق وأن دعا إليها الشهيد القائد – رضوان الله عليه – وأكد عليها، في سبيل تحقيق النهضة المجتمعية والاكتفاء الذاتي، والتحرر من هيمنة أعدائنا، الذين يتحكمون بلقمة عيشنا، كما دعا إلى ذلك وأكد عليه، السيد القائد عبدالملك الحوثي (يحفظه الله).
وهنا يأتي التساؤل الذي لم يقله النص، وإنما أوحى به، وهو: مادامت المقاطعة واجبة، على كافة المستويات والأصعدة، ومادامت الزراعة إحدى ركائز الاقتصاد، وإحدى البدائل المتاحة لجميع أبناء المجتمع اليمني – بوصفه مجتمعاً زراعياً في الأساس – فما مدى تقبل كل منا، للقيام بهذه الخطوة وزراعة ما يمكن زراعته، ولو حتى في أبسط الصور الممكنة؟ ومن منا قام بهذه الخطوة فعلاً؟ ألسنا جميعاً ندعي الانتماء إلى هذا المشروع القرآني العظيم، الذي يرى ضرورة الالتزام بالقول والفعل؟، هنا تأتي حقيقة التوكل على الله تعالى، وليس التوكل على أمريكا والقوى العظمى، وهنا تظهر حقيقة الإيمان بالله، واتباع أوامره ونواهيه، أو الخوف من أمريكا وحلفائها وإسرائيل وقوتها.

“بالله متوكل معه با زرع وبا حصد سنبلي       وما تخيب أمه بجبار السما متوكلة”
إن مما زاد من جماليات النص وروعة إبداعه، هو انطلاقه من عمق الواقع، وتصويره ونقله بأدق تفاصيله الملموسة، بأسلوب فني إبداعي راق، كما أن هذا النص يعد وثيقة تاريخية واجتماعية وفكرية وثقافية، شاهدة على مرحلتها وواقعها، ورغم النزعة التقريرية – وهي سمة الشعر الشعبي عامة والزامل خاصة – إلا أن النص لا يخلو من فلسفة عميقة، وصور غاية في الروعة، وإتقان متفرد في توظيف المفردات وتحميلها دلالات جديدة، يضاف إلى ذلك لغة النص القريبة جداً إلى الفصحى، والمفهومة لدى العامة، بتراكيبها الكاملة المعنى، والمطرزة بالمحسنات البديعة.
وفي ختام هذه العجالة، تجدر الإشارة إلى تميز الأداء الموسيقي المتناغم، في المنتج الصوتي (الزامل)، المؤدَّى بصوت المنشد المجاهد عيسى الليث، الذي تَمَثَّلَ دلالات النص ومعانيه خير تمثل، حيث جعل الأداء على مستويين؛ الأول: اتسم بالهدوء ومحاولة بث روح الانسجام، بين أسلوب النقاش والحوار الهادئ، سواءً على المستوى الداخلي أو المستوى الخارجي، متوسلاً بتنغيماته وتنوع مقاماته، كافة سبل الإقناع، ثم يأتي المستوى الثاني: المتسم بالسرعة والمواجهة والنبرة الصارخة، التي تحمل في طياتها الكثير من معاني التهديد للعدو، ولمن يقف في صفه، جاعلاً من أمر المقاطعة – في ذاته – أمراً مفروغاً منه، ليصبح الدور التالي المنوط إلى الذات، هو ضرورة سرعة التنفيذ، وتوجيه الضربة القاضية للعدو، في سياق المقاومة والصمود والردع.