أفق نيوز
الخبر بلا حدود

فلسطين بين وحشية الصهاينة وصمت الأُمَّــة

45

أفق نيوز| حسين محمد المهدي

﴿وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها﴾

في غزة لا يُقتَلُ الناس فقط، وإنما تُذبح الإنسانية على مرأى العالم، وتُسحق القيم التي طالما تغنَّت بها الدول الكبرى تحت ركام البيوت المحترقة وأجساد الأطفال الممزقة.

هناك، في أرض الإسراء، لا تدور حربٌ عابرة، وإنما تُرتكب واحدةٌ من أبشع الجرائم التي عرفها العصر الحديث؛ مجازر متواصلة، وحصار خانق، وتجويع ممنهج، وتدمير شامل طال الإنسان والحجر والشجر.

غزة تُحاصَر، والأقصى يُدنَّس، والدماء تُراق، والأطفال يُنتشلون من تحت الأنقاض أشلاء ممزقة، والأم الفلسطينية تودِّع أبناءها الواحد تلو الآخر بثباتٍ لو وُزِّع على أُمَّـة منهكةٍ لأحيا فيها العزة والكرامة.

عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، ومدنٌ كاملة سُوِّيت بالأرض، وملايين يعيشون تحت القصف والخوف والجوع، فيما يقف العالم متفرجًا على واحدةٍ من أكثر الكوارث الإنسانية إيلامًا في هذا العصر.

لقد رأى العالم أطفالًا يُقتلون وهم نيام، ورضَّعًا تُطفأ أنفاسهم لانعدام الدواء، وأُمهات يحفرن بأيديهن بين الأنقاض بحثًا عن فلذات أكبادهن، ورأى شعبًا بأكمله يُعاقَب لأنه تمسَّك بأرضه ورفض أن يبيع كرامته أَو يرفع راية الاستسلام.

ومع ذلك، ما زالت قوى الاستكبار تمدُّ يد العون للجلاد، وتغدق عليه المال والسلاح، ثم تتحدث بوقاحة عن حقوق الإنسان والقانون الدولي.

أيُّ قانونٍ هذا الذي لا يرى دماء الأطفال؟!

وأيُّ إنسانيةٍ تلك التي تصمت أمام شعبٍ يُباد على الهواء مباشرة؟!

لكن المأساة لا تقف عندَ حدود الوحشية الصهيونية، وإنما تمتد إلى جرحٍ آخر أكثر إيلامًا؛ جرح الصمت العربي والإسلامي، والتثاقل عن نصرة شعبٍ يُذبح منذ عقود.

فالأمة التي يبلغ تعدادها مئات الملايين، وتمتلك من الثروات والإمْكَانات ما يجعلها قادرة على تغيير موازين العالم، ما تزال في كثيرٍ من مواقعها أسيرة الخوف، أَو الغفلة، أَو الحسابات الضيقة، حتى بدا كأن فلسطين تُركت وحدها تواجه آلة القتل الصهيونية المدعومة من قوى الطغيان العالمي.

والمسلمون في الأشهر الحرم، وأشهر الحج، يتوافدون إلى بيت الله الحرام من كُـلّ حدب وصوب، بينما القدس تستصرخ ضمائرهم، وغزة تنادي الأُمَّــة أن تتحَرّك لنصرة المستضعفين.

ومن المعلوم أن من خصائص المجتمع المسلم، أنه يقوم على عقيدة الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، والبراءة من أعداء الله والظالمين، وهي عقيدة تصنع أُمَّـة متماسكةً تسود أبناءها المحبةُ والتناصرُ والتضحية.

ولذلك فإن التثاقل عن نصرة فلسطين لا ينسجم مع حقيقة الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، قال تعالى:

{إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ}.

وقال سبحانه:

{لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أولياء مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ}.

إن الأُمَّــة التي حملت رسالةَ الهداية إلى العالم، وصاغ الله لها تاريخًا من المجد والفتوح، لا يليق بها أن تبقى متفرجة على مسرى نبيها وهو يُدنَّس، وعلى شعب فلسطين وهو يُباد.

أيا أُمَّـة صاغَ الإلهُ فخارَها ** وصرحُ الهدى في العالمينَ تشيّدا

رعيتِ ذِمامَ الحقِّ دهرًا وإنما ** بغيرِ وفاءِ العهدِ لن نبلغَ المدى

ننادي وفي “أمِّ القرى” تساؤلٌ ** متى يبعثُ الإيمانُ جيلًا مسدَّدا؟

تُسائلُ بطحاءُ الهدى عن شقيقِها ** وعن مسجدٍ بالظلم أضحى مقيَّدا

تُنادي فلسطينُ العروبةِ مهدَها ** وتستصرخُ المجدَ التليدَ ليصعدا

أيُهدمُ مسرى المصطفى ويُباحُ من ** أقامَ لدينِ الله حصنًا ومؤصدا؟

عدوُّكِ يا قدسُ استباحَ كرامةً ** وعاثَ بغيًّا في الرُّبى وتمردا

فهبُّوا بني الإسلام لإحياء عزِّكم ** وجودوا بنفسٍ تبتغي النصر موعدا

وفي مقابل هذا الصمت الثقيل، برزت مواقفُ من حملوا راية النصرة والمقاومة، فواجهوا الضغوط والحصار والتهديدات بثباتٍ نادر، وأثبتوا أن الأُمَّــة الإسلامية ما تزال قادرةً على إنجاب رجالٍ يرون في الدفاع عن فلسطين دفاعًا عن الدين والكرامة والإنسانية.

لقد أثبت محور المقاومة صدق ولائه لله ولنصرة المستضعفين، فحازت إيران قصَبَ السبق في دعم القضية الفلسطينية، كما برز أنصار الله في يمن الإيمان والحكمة، وحزب الله في لبنان والعراق وغيرهم من قوى المقاومة بمواقفَ رفعت رأس الأُمَّــة وأكّـدت أن فلسطين ليست وحدها.

لقد برزت مواقف محور المقاومة بعزيمةٍ لا تزعزعها الجبال، حين حملوا راية الجهاد وأبوا أن تُترك فلسطين وحدها، فواجهوا الضغوط والحصار والتهديدات، وأثبتوا للعالم أن الأُمَّــة الإسلامية لا تزال قادرةً على إنجاب الأحرار الذين يرون في الدفاع عن فلسطين دفاعًا عن الدين والكرامة الإسلامية والإنسانية كلها.

أَيَغفو بَنُو الإسلام والمجدُ يُزْدَرى؟ ** وصرحُ الهدى في العالمينَ تَهدّدا!

أَيَغفو وفي “أمِّ القرى” قبلةُ الهدى ** تُسائلُ عن جيلٍ به الحقُّ جُنِّدا

أيا قبلةَ الإسلام صيحي بأمةٍ ** نبيُّكِ فيها للكرامة أرشدا

أيبقى يهودُ الغدر يمحون عزَّنا؟ ** ونحن عبادُ الله جيلًا مجدَّدا

فمن مكة الغرَّاءِ ينبعث الردى ** على كُـلّ باغٍ بالضلالة أرعدا

أعيدوا لنا عهد الفتوح ونورَها ** فقد طال ليل الظالمين وعربدا

أجيبوا نداء الحق تعلو جباهُكم ** وتُسقوا من النصر المبين المخلَّدا

لقد أثبتت المقاومة أن الشعوبَ الحية لا تموت، وأن الدمَ إذَا امتزج بالعقيدة صار أقوى من الطائرات والبوارج والجيوش الجرارة، وأن جماعةً من المؤمنين بقضيتهم تستطيع أن تزلزل أركان المحتلّ مهما بلغ جبروته.

إن من ينصر فلسطين اليوم لا يرفع شأن فلسطين فحسب، وإنما يرفع شأنه عند الله وفي صفحات التاريخ؛ لأن فلسطينَ ليست قضيةَ أرضٍ وحدود فحسب، وإنما هي قضية أُمَّـة وعقيدةٍ وكرامةٍ وإنسانية.

 

* عضو رابطة علماء اليمن