أفق نيوز
الخبر بلا حدود

اليوم الثاني والثمانون – الانكشاف الاستراتيجي الغربي وحرب الاستنزاف المفتوحة

50

أفق نيوز| تقرير| طلال نخلة 

مع دخول الحرب يومها الثاني والثمانين، تتضح معالم المأزق الأمريكي-الإسرائيلي بشكل غير مسبوق. التهديدات العالية السقف من البيت الأبيض تتكسر على صخرة التكتيكات الإيرانية الهجينة، والانهيار الميداني لجيش الاحتلال في جنوب لبنان. لقد انتقلت طهران من الردع الدفاعي إلى الابتزاز الجيواقتصادي النشط، محولة مضيق هرمز إلى أداة لفرض السيادة وفرض الضرائب على الكابلات الدولية. في الوقت نفسه، تتخبط القيادة الإسرائيلية في وحل الاستنزاف، حيث تفقد ألوية النخبة (كاللواء 401 وغولاني) ضباطها يومياً بمسيرات المقاومة. وفي ظل هذه التعقيدات، تتضح معالم خديعة أمريكية جديدة: التظاهر بالاستعداد لعملية برية أو تغيير النظام (عبر ورقة أحمدي نجاد)، كغطاء تكتيكي لابتزاز سياسي، أو كتمهيد ليائس لضربة جراحية محفوفة بالمخاطر.

إليكم تفكيك المشهد الجيوسياسي والعسكري، بعيداً عن صخب التصريحات:

أولاً: الخديعة الأمريكية و”وهم تغيير النظام”

التسريبات الموجهة التي تخرج من واشنطن (خاصة عبر “نيويورك تايمز”) تعكس حالة ارتباك استراتيجي وتكشف عن خديعة مزدوجة:
1. الورقة المحترقة (أحمدي نجاد): الحديث عن خطة أمريكية-إسرائيلية لدعم عودة محمود أحمدي نجاد للسلطة بعد اغتيال القيادة (وهو ما فشل في اليوم الأول) هو تسريب استخباراتي “أحمق” يهدف إلى زرع الشك داخل القيادة الإيرانية. هذه التسريبات لا قيمة لها عملياتياً، بل هي حرب نفسية ساذجة تُثبت أن بنك الأهداف الأمريكي الاستراتيجي قد أُفرغ، وأن محاولة إيجاد شرخ داخلي في إيران قد فشلت تماماً أمام تماسك المؤسسة العسكرية والحرس الثوري.
2. “أيام الحسم” المؤجلة: إعلان ترامب إمهال إيران “يومين أو ثلاثة” (بحسب موقع واللا)، وتوقعات واشنطن باتخاذ قرار نهاية الأسبوع، هو جزء من دورة التلاعب (Trump Pattern). البنتاغون يُدرك أن أي هجوم الآن (بعد أن عززت إيران دفاعاتها ونقلت منصاتها بناءً على دراسة أنماط الطيران الأمريكي) سيكلفه المزيد من الطائرات، بعدما وثقت الاستخبارات (كما تشير إحصاءات CRS) خسارة أو تضرر 53 طائرة أمريكية (من بينها مقاتلات F-15، مسيرات MQ-9، وطائرات KC-135).
3. التراجع أمام الردع الصاروخي: تحذير الحرس الثوري بأن إيران “لم تستخدم كل قدراتها” وأن الرد سيتجاوز المنطقة ويضرب في “أماكن لا يتخيلونها”، هو تهديد جدّي برد غير تقليدي، وهو ما يُلجم اندفاعة البنتاغون.

ثانياً: الخنق الجيواقتصادي وسيادة “هرمز”

طهران لا تفاوض فقط بالصواريخ، بل بشرايين الاقتصاد العالمي:
1. حرب كابلات الإنترنت: المطالبة بفرض رسوم سيادية على كابلات الألياف الضوئية (DWDM) التي تمرر 10 تريليونات دولار يومياً، هو تكتيك “إرهاب اقتصادي ناعم” للغرب. إيران تقول بصراحة: “إذا ضربتم بنيتنا، سنُعيد أوروبا والخليج إلى العصر الحجري الرقمي”.
2. العبور الانتقائي (السيادة بالأمر الواقع): عبور ناقلتين صينيتين محملتين بـ 4 ملايين برميل عبر المسار الذي حددته القوات الإيرانية، يؤكد أن آلية الإدارة الإيرانية الجديدة للمضيق أصبحت أمراً واقعاً. واشنطن تقف متفرجة بينما حلفاؤها وخصومها ينسقون مع طهران لتأمين سفنهم. تحذير صحيفة “فايننشال تايمز” من دخول العالم “حقبة النقص الفعلي” في السلع الأساسية، يثبت أن الحصار العكسي الذي فرضته إيران أوقع الغرب في فخ قاتل.

ثالثاً: الجبهة اللبنانية.. مقبرة النخبة و”انهيار جيش ذكي”

في لبنان، تتساقط نظريات “الجيش الصغير والذكي” تحت ضربات المقاومة المستمرة:
1. استهداف العصب القيادي: إصابة قائد لواء المدرعات 401 وعدد من جنوده داخل مبنى محصن بمسيرة تعمل بالألياف البصرية، ومقتل نائب قائد سرية في اللواء 551 (منطقة القوزح)، هو فشل استخباراتي وعملياتي ذريع للجيش الإسرائيلي.
2. تكتيك الاستنزاف الممتد: 26 بياناً بالأمس وعمليات مكثفة اليوم (تستهدف دبل، رشاف، الخيام، الناقورة، وشومرا)، تُثبت أن المقاومة انتقلت لتكتيك إطلاق أسراب المسيرات والصواريخ بشكل متواتر وواسع (Swarm Tactics). الهدف هو إرهاق الرادارات وشل 70% من قدرة القوات البرية (كما اعترفت القناة 12 الإسرائيلية).
3. الصراخ الداخلي: صرخة الأب الإسرائيلي الذي طالب بإخراج ابنه من لبنان (“ابني ليس بطة في ميدان رماية لترامب أو نتنياهو”) تعكس انهيار الروح المعنوية للجبهة الداخلية. إسرائيل لم تعد تملك دبابات للتوغل، وقواتها تتحول إلى أهداف ثابتة للمحلقات الانتحارية. الإحباط السياسي من فشل مفاوضات واشنطن (كما كشفت صحيفة الأخبار) يؤكد أن لبنان الرسمي لن يوقع على استسلام.

الخلاصة وتحديد المسار

المشهد الحالي هو مشهد “عض أصابع” خطير.
الأرجح سيكون أن ترامب لن يشن هجوماً واسع النطاق على الأراضي الإيرانية قبل نهاية الأسبوع. التكلفة الباهظة (خسائر الطائرات السابقة، والرد الإيراني غير التقليدي المحتمل) ستدفعه نحو خيار “حفظ ماء الوجه”. قد يلجأ إلى عملية استخباراتية أو هجوم سيبراني معقد بدلاً من القصف المباشر، أو توجيه ضربات محددة لأهداف مرتبطة بحلفاء إيران لادعاء النصر، مع الاستمرار في تجميد مفاوضات لبنان لإبقاء إسرائيل تحت الضغط.

وإلا نحن ذاهبون إلى انفعال اللحظة الأخيرة. إذا أصرت إسرائيل (عبر اتصال نتنياهو وترامب الدراماتيكي) على دفع أمريكا لحرب شاملة، وتجاهل ترامب تحذيرات البنتاغون، فإن الضربة الاستباقية ستكون “عمياء” نظراً لكشف إيران للتكتيكات الأمريكية. الرد الإيراني لن يكون تقليدياً؛ سيشمل إغلاقاً كاملاً لهرمز، وتخريباً للكابلات البحرية، ووابلاً صاروخياً يدمر القواعد التي تنطلق منها الطائرات الأمريكية. المنطقة تتأرجح بين الانهيار الدبلوماسي والانفجار العسكري الشامل.