أفق نيوز
الخبر بلا حدود

الإعلام في الرؤية القرآنية.. معركة الوعي والكلمة

73

أفق نيوز| طارق الحمامي

جاءت المحاضرة السادسة ضمن سلسلة “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم” للسيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله لتؤكد من جديد أن معركة الأمة مع أعدائها ليست معركة عسكرية فقط، بل هي معركة وعي وكلمة وموقف، وأن الإعلام في المفهوم القرآني يمثل جبهة مركزية من جبهات الصراع، لما له من تأثير مباشر في تشكيل الوعي، وتوجيه الرأي العام، وبناء المواقف أو تزييفها، المحاضرة حملت أبعادًا عميقة تتصل بمفهوم الكلمة، وخطورة الخطاب الإعلامي، وأهمية الالتزام بالهدي الإلهي في القول والتعبير، باعتبار الكلمة سلاحًا قد يكون أداة هداية وبناء، وقد يتحول إلى وسيلة تضليل وإفساد وخدمة لأعداء الأمة.

الكلمة في المنهج القرآني .. مسؤولية لا فوضى

ركز السيد القائد على النموذج القرآني في تهذيب الخطاب وضبط المفردات، مستشهدًا بقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم،
وهو توجيه قرآني يكشف حجم الحساسية التي يتعامل بها الإسلام مع الكلمة والمصطلح والتعبير، خصوصًا عندما تكون هناك أطراف معادية تستغل بعض المفردات استخدامًا سيئًا أو توظفها للإساءة والإضلال، هذا التوجيه القرآني يبرز أن اللغة ليست مجرد ألفاظ عابرة، بل هي جزء من معركة الوعي، وأن اختيار المفردة قد يحمل أبعادًا ثقافية ونفسية وسياسية وإعلامية، ولذلك فإن الأمة مطالبة بأن تكون واعية بما تقول، وكيف تقول، وما الذي يمكن أن يستغله العدو في سياق الحرب الناعمة والدعاية والتضليل، وفي هذا السياق تتجلى أهمية الإعلام الواعي المسؤول، الذي لا ينطلق بعشوائية أو انفلات أو انفعالات غير منضبطة، بل يتحرك وفق معايير الحق والقيم والهدي الإلهي.

الإعلام والكلمة الطيبة.. بناء للوعي والمجتمع

من أبرز المضامين التي ركزت عليها المحاضرة تقديم القرآن للكلمة باعتبارها كيانًا مؤثرًا في الحياة والمجتمع، حيث استشهد السيد القائد بقوله تعالى: أَلَـمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِـمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ،
وهنا تتضح الرؤية القرآنية للإعلام الهادف؛ فالكلمة الطيبة ليست مجرد خطاب ناعم، بل مشروع بناء وهداية وإصلاح، تشبه الشجرة المثمرة التي تمنح الناس الخير والعطاء والثبات،
وتبعًا لذلك فإن الإعلام الصادق هو الذي يرسخ القيم والمبادئ، يكشف الحقائق، ويدفع المجتمع نحو الخير، ويواجه الباطل بالحجة والوعي، ويزرع الثقة والثبات في نفوس الناس، ويحفز الأمة على تحمل مسؤولياتها، الكلمة الطيبة في المفهوم القرآني ليست حيادية، بل هي منحازة للحق، ومدافعة عن القيم، ومتصلة بمصلحة الأمة، ولذلك فإن أثرها يمتد عميقًا في الوعي الجمعي، ويصنع حالة من التماسك والثبات النفسي والمعنوي.

الكلمة الخبيثة.. أدوات التضليل والإفساد الإعلامي

في مقابل ذلك، تناولت المحاضرة خطر “الكلمة الخبيثة” التي وصفها القرآن بقوله تعالى: وَمَثَلُ كَلِـمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ،
وهو توصيف دقيق لوسائل التضليل والدعاية السوداء والحملات الإعلامية التي تقوم على الخداع والإرجاف والتزييف والتشويه، فالكلمة الخبيثة تحمل مضمونًا هدامًا وفاسدًا، وتسعى للتأثير السلبي على نفسيات الناس، وإرباك وعيهم، وصناعة اليأس والخوف والانحراف،
وهذا ما ينطبق على كثير من الخطابات الإعلامية المعادية التي تعتمد بث الشائعات، والتهويل والإرجاف، وتشويه الحقائق، وصناعة الانكسار النفسي، وضرب الثقة بالمواقف العادلة،
وتزييف الوعي الجماهيري، وخدمة المشاريع المعادية للأمة، وتكشف المحاضرة أن الإعلام المعادي لا يتحرك باعتباره ناقلًا للخبر فقط، بل كأداة حرب متكاملة تستهدف الأمة في وعيها وثباتها وهويتها وقيمها.

الإعلام انعكاس للقيم والنفوس

ومن الدلالات المهمة في المحاضرة الربط بين طبيعة الكلمة وطبيعة النفس التي تصدر عنها، فالكلام وفق الرؤية القرآنية يعبر عما يحمله الإنسان في داخله، فالإنسان صاحب النفس الزكية يخرج منه الخطاب الزاكي الصادق النظيف، بينما النفوس الملوثة بالباطل والفساد ينعكس خبثها في خطابها وكلماتها ومحتواها الإعلامي، ومن هنا فإن الإعلام في الرؤية القرآنية ليس مجرد مهنة أو تقنية، بل مسؤولية أخلاقية وإيمانية مرتبطة باستقامة الإنسان نفسه، ولذلك أكد السيد القائد أن استقامة اللسان من استقامة القلب، وأن الارتباط بالله سبحانه وتعالى يهذب الخطاب ويقوم الكلمة ويوجهها نحو الحق، وفي هذا البعد تتجلى أهمية التربية الإيمانية للإعلاميين وأصحاب المنابر، لأن الخطاب الإعلامي ليس منفصلًا عن المنظومة القيمية والأخلاقية لصاحبه.

 

المجال الإعلامي .. ميدان من ميادين الجهاد

أبرز السيد القائد بشكل واضح أن ميدان الإعلام يمثل جبهة رئيسية في الصراع مع اليهود وأعداء الأمة، وأن المواجهة الإعلامية ليست عملًا هامشيًا، بل “ميدان من ميادين الجهاد”، وهذا التوصيف يحمل دلالات كبيرة، أبرزها أن الحرب الإعلامية أخطر من كثير من أشكال المواجهة الأخرى، وأن التضليل قد يهزم الأمم نفسيًا ومعنويًا قبل الهزيمة العسكرية، وأن كشف زيف العدو وفضح جرائمه مسؤولية كبرى، وحماية وعي الأمة ضرورة استراتيجية، وأن الصمود الإعلامي جزء من الصمود العام، وفي هذا الإطار تتضح خطورة الحملات الدعائية التي تشنها وسائل الإعلام المعادية، ومعها المرتبطون بالمشاريع الأجنبية، عبر الإرجاف والتهويل والتخويف والتشكيك ومحاولة كسر إرادة الشعوب، كما كشف السيد القائد حجم التركيز الذي يوليه الأعداء للحرب النفسية والإعلامية باعتبارها وسيلة للتأثير على المواقف وإضعاف الثبات وإحداث الانهيار المعنوي.

الصبر والثبات في مواجهة الحرب الإعلامية

ومن أهم الرسائل التي ركز عليها السيد القائد الدعوة إلى الصبر والثبات في مواجهة حملات الافتراء والتضليل، فالقرآن كما أوضح السيد القائد يربي الأمة على ألا تخاف في الله لومة لائم، وأن تتحمل مسؤولية قول الحق مهما كانت حملات التشويه والإساءة، وفي هذا السياق فإن المواجهة الإعلامية تتطلب الثقة بالحق، والثبات النفسي، والصبر أمام حملات التشويه، والاستمرار في كشف الحقائق، وعدم الانجرار وراء الحرب النفسية، والحفاظ على الموقف المبدئي، ويشير السيد القائد إلى أن بعض الناس حين لا يمتلكون التربية القرآنية والوعي الإيماني يتأثرون سريعًا بالحملات الإعلامية المنظمة، فيتراجعون عن مواقف الحق تحت ضغط التضليل والتهويل، أما الثقافة القرآنية فإنها تبني شخصية ثابتة وواعية قادرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين الموقف الحق والحرب النفسية.

معركة الوعي .. أولوية المرحلة

تكشف مضامين المحاضرة أن معركة الأمة اليوم هي معركة وعي بامتياز، وأن الإعلام يمثل أحد أخطر ميادين المواجهة مع العدو، فالعدو يسعى إلى اختراق الأمة فكريًا وإعلاميًا، وتزييف وعيها،
ونشر الإحباط والخوف، وصناعة الفوضى النفسية، وتحويل الإعلام إلى أداة هدم للقيم والمواقف، وفي المقابل فإن المسؤولية الكبرى تقع على الإعلاميين والمثقفين وأصحاب المنابر في بناء خطاب واعٍ وصادق وشجاع، يعبر عن الحق، ويحمي وعي الأمة، ويكشف زيف الأعداء، ويعزز الثبات والصمود، إن الرسالة الجوهرية التي حملتها المحاضرة تتمثل في أن الكلمة ليست أمرًا عابرًا، بل مسؤولية عظيمة، وأن الإعلام حين يرتبط بالقيم والحق يتحول إلى قوة تحرير وبناء وهداية، بينما يتحول الإعلام المنفلت والخبيث إلى أداة تضليل وإفساد وتدمير للمجتمعات، ومن هنا فإن الأمة أحوج ما تكون اليوم إلى إعلام قرآني واعٍ، يمتلك البصيرة والثبات والصدق، ويخوض معركة الوعي بقوة الحق وجاذبية الحقيقة، بعيدًا عن الانفعال والعشوائية والانجرار خلف أساليب الأعداء وحملاتهم المضللة.