حرب السيادة المزدوجة: واشنطن تحاصر الموانئ وطهران تحاصر الممرات، وهرمز يتحول إلى محكمة القوة الكبرى
أفق نيوز| تقرير| طلال نخلة
من حرب الضربات إلى نزاع على حق إصدار الأوامر؛ دخلت المواجهة الأمريكية الإيرانية مرحلة تختلف جذرياً عن جولات القصف السابقة. لم تعد المسألة محصورة في تحديد الطرف القادر على تدمير عدد أكبر من منصات الصواريخ أو منشآت الرادار، بل باتت تدور حول سؤال سيادي مباشر: من يملك الحق الفعلي في تنظيم الحركة داخل مضيق هرمز، ومن يستطيع تحويل أوامره إلى قواعد تلتزم بها السفن تحت التهديد؟
واشنطن تحاول فرض سيادتها من الخارج عبر الحصار البحري، اعتراض السفن، تحديد الممرات الآمنة، وضرب القدرات الإيرانية الساحلية. أما طهران فتحاول فرض سيادتها من الداخل عبر إغلاق المضيق، توجيه السفن إلى مسارات تعتمدها هي، واستهداف السفن أو الدول التي تتعامل مع التعليمات الأمريكية بوصفها المرجعية الأعلى.
هذه ليست حرباً على المضيق فقط، بل صدام بين نظامين قانونيين متناقضين يستندان عملياً إلى القوة المسلحة. النظام الأمريكي يقول إن حرية الملاحة تعني منع إيران من التحكم بالممر الدولي. والنظام الإيراني يقول إن الجغرافيا والسيطرة الساحلية تمنحان طهران حق تنظيم العبور وإخضاعه لإرادتها الأمنية.
الموجة الأمريكية الجديدة: استهداف بنية السيطرة لا مجرد منصات الإطلاق
الموجة الأخيرة من الضربات الأمريكية تركزت على جنوب إيران والجزر والمواقع الساحلية المرتبطة بالمسيّرات والصواريخ الجوالة والدفاعات البحرية. وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن الهدف هو تقويض قدرة إيران على تهديد الملاحة في المضيق. وأفادت تقارير موثوقة بوقوع ضربات في الأحواز وبندر عباس وتشابهار وكنارك وجزر استراتيجية في هرمز، بالتزامن مع تجدد إطلاق المقذوفات الإيرانية نحو قواعد ومناطق خليجية.
الانتقال إلى كنارك وتشابهار وسيستان وبلوشستان يحمل دلالة عملياتية واضحة. الولايات المتحدة توسع نطاق الاستهداف من البنية الدفاعية القريبة من المضيق إلى شبكة العمق الساحلي التي يمكن أن توفر لإيران قواعد بديلة للمسيّرات، الصواريخ الساحلية، الطيران البحري، الاستطلاع وعمليات الالتفاف على الحصار.
ضرب مركز شرطة أو نقطة أمنية على طريق رامين وتشابهار، في حال ثبوت الموقع بدقة، لا يعني أن الهدف هو المركز بحد ذاته. الأرجح أن واشنطن تبحث عن عقد اتصال أو مراقبة أو انتشار محلي مرتبطة بحماية الطريق الساحلي والمنشآت العسكرية المحيطة به. لكن لا تتوفر حتى الآن معلومات مستقلة كافية لتحديد طبيعة الهدف أو الأضرار، ولذلك لا يمكن التعامل مع التوصيف المتداول باعتباره حقيقة عملياتية نهائية.
أما الأضرار قرب مستشفى بقائي في الأحواز والمنازل السكنية، فهي تكشف عن مشكلة تتزايد مع توسع الحملة. حتى عندما تكون الذخائر موجهة إلى مواقع عسكرية، فإن ضرب شبكة منتشرة داخل المدن أو قربها يرفع احتمالات الضرر المدني، ويمنح طهران مادة سياسية لإعادة تعريف الحملة الأمريكية بوصفها حرباً على المجتمع والبنية المدنية، لا مجرد عملية لحماية الملاحة. تقارير رويترز ووكالات دولية أكدت وقوع أضرار وإخلاءات قرب منشآت مدنية، مع بقاء الروايات الإيرانية عن حجم الإصابات والأهداف بحاجة إلى تدقيق مستقل.
ناقلة Belma: أول اختبار حقيقي لقواعد الاشتباك البحرية
تعطيل الناقلة M/T Belma يشكل أخطر تطور قانوني وعملياتي في الحصار الجديد. وفق القيادة المركزية الأمريكية، كانت السفينة الفارغة متجهة نحو جزيرة خارك، تجاهلت تحذيرات متكررة، ثم استهدفت طائرة أمريكية مدخنتها بصواريخ هيلفاير لتعطيلها من دون إغراقها. وأكدت رويترز وفايننشال تايمز أن ناقلتين امتثلتا وأعيد توجيههما، بينما كانت Belma أول سفينة غير ممتثلة يتم تعطيلها بعد استئناف الحصار.
اختيار المدخنة هدفاً ليس تفصيلاً تقنياً عابراً. إنه يشير إلى محاولة أمريكية لتحقيق ثلاثة أهداف متزامنة: شل قدرة السفينة على الدفع أو التشغيل، تجنب إغراق ناقلة تجارية وما قد يسببه ذلك من كارثة بيئية، وإرسال رسالة لبقية الشركات بأن عدم الامتثال سيقابله استخدام محسوب للقوة.
لكن هذا النموذج لا يمكن تكراره بلا حدود. فكل عملية اعتراض تحتاج إلى طائرات أو سفن مراقبة، اتصال مباشر بالناقلة، تقييم لهويتها وحمولتها وطاقمها، ثم قرار بشأن التصعيد. ومع وجود عشرات السفن ومسيّرات وصواريخ ساحلية إيرانية، يتحول الحصار إلى عملية استنزاف استخباراتي ولوجستي، لا إلى مجرد خط بحري يمكن إغلاقه بعدد من المدمرات.
الأخطر أن استهداف سفينة مدنية حتى لو كانت فارغة يضع شركات التأمين والملاحة أمام خطر مزدوج. السفينة التي تطيع الولايات المتحدة قد تستهدفها إيران، والسفينة التي تتجه إلى إيران قد تعطلها القوات الأمريكية. لذلك بدأت شركات تتجنب المسار الذي توجهها إليه القوات الأمريكية، وهو ما أكدته تقارير الشحن التي نقلتها رويترز. النتيجة أن السيطرة البحرية الأمريكية لا تتحول تلقائياً إلى ثقة تجارية، لأن الحماية النظرية لا تلغي قدرة إيران على إطلاق مسيّرة رخيصة أو صاروخ جوال ضد هدف بطيء وضخم.
المفارقة الاستراتيجية هنا قاسية. الولايات المتحدة قد تستطيع فرض ممر بالقوة، لكنها لا تستطيع إجبار السوق على اعتباره آمناً. سلامة الملاحة لا تتحدد فقط بعدد المدمرات، بل بقرار شركات التأمين والقباطنة وأصحاب الشحنات. وإذا رفضت السوق استخدام الممر الأمريكي، تكون إيران قد عطلت وظيفته الاقتصادية حتى لو لم تستطع طرد الأسطول الأمريكي منه.
المعضلة الإيرانية: قوة التعطيل لا تعني القدرة على الانتصار
تمتلك إيران ميزة غير متكافئة واضحة. صاروخ أو مسيّرة منخفضة التكلفة يمكن أن يفرض على الولايات المتحدة ودول الخليج تشغيل منظومات إنذار واعتراض باهظة الثمن، وتعليق الحركة الجوية، وتغيير مسارات السفن. وهذا ما قصده جيه دي فانس عندما أقر بأن تأمين الملاحة عسكرياً فقط شديد الصعوبة لأن السفن يمكن استهدافها بمسيّرات رخيصة، وأن أزمة المضيق لا تملك حلاً واقعياً من دون دبلوماسية.
لكن هذا التفوق في تكلفة التعطيل لا يعني أن طهران تستطيع تحمل حرب مفتوحة بلا سقف. المناطق الساحلية الإيرانية مكشوفة نسبياً أمام التفوق الجوي الأمريكي، ومواقع الرادارات والصواريخ الساحلية تحتاج إلى إعادة التموضع والاتصال والإمداد. وكلما طال أمد الحرب، يصبح الاحتفاظ بالقدرات أكثر صعوبة، خصوصاً تحت مراقبة جوية وبحرية وفضائية متواصلة.
الخطاب الإيراني عن الانتقال لاحقاً إلى مراحل جديدة بعد تدمير البنية التحتية الهجومية الأمريكية يحمل جانباً ردعياً واضحاً. طهران تريد إقناع واشنطن بأن الحملة الحالية ليست الحد الأقصى، وأن لديها خيارات مرتبطة بالطاقة، الموانئ، القواعد، شبكات الشحن وربما الجبهات المتحالفة. لكن القدرة على إعلان مرحلة جديدة أسهل من القدرة على تنفيذها باستمرار مع الحفاظ على المخزون الصاروخي وعدم دفع دول إضافية إلى الحرب.
ولهذا يبدو الموقف الإيراني مبنياً على معادلة دقيقة: إيقاع ضرر كافٍ لإثبات أن الحصار غير قابل للاستدامة، من دون تنفيذ ضربة كارثية توحد دول الخليج والغرب بالكامل خلف عملية إسقاط شامل للقدرات الإيرانية.
الخليج: من الحياد الدفاعي إلى التورط الوظيفي
اعتراض الكويت أربعة صواريخ جوالة و21 مسيّرة يؤكد أن المجال الجوي الخليجي بات جزءاً من ساحة المعركة، وليس مجرد خلفية لوجستية للقوات الأمريكية. وأشارت تقارير دولية إلى هجمات إيرانية على مواقع أمريكية أو أهداف مرتبطة بها في الكويت والبحرين والأردن، مع اعتراضات واسعة للمقذوفات.
أما الرواية التي نشرتها إسرائيل هيوم حول انضمام دول خليجية إلى الضربات الهجومية على إيران، فتبقى ادعاء صحفياً حساساً لم تؤكده الحكومات المعنية أو مصادر دولية مستقلة كبرى. الصحيفة نسبت المعلومة إلى مسؤولين دبلوماسيين خليجيين مجهولين، وقالت إن المشاركة محدودة لكنها عملياتية. لا يجوز تحويل هذا الادعاء إلى حقيقة مثبتة قبل ظهور دليل إضافي.
مع ذلك، لا تحتاج دول الخليج إلى إطلاق صواريخ مباشرة كي تصبح شريكاً وظيفياً في الحملة. السماح باستخدام القواعد، تزويد الطائرات بالوقود، تقديم الإنذار المبكر، تبادل صور الرادار، حماية الممرات الجوية، أو فتح الأجواء أمام طلعات هجومية كلها أشكال مشاركة قد تكون أكثر أهمية من تنفيذ ضربة رمزية.
رصد عشر طائرات KC-135R وKC-46A وطائرة E-3G فوق الخليج، إذا ثبتت بيانات التتبع ومساراتها، يتناسب مع بيئة عمليات جوية ممتدة تحتاج إلى إبقاء المقاتلات وطائرات القيادة والاستطلاع في الجو لفترات طويلة. لكنه لا يحدد بمفرده الدول المشاركة ولا هوية الأهداف، لأن طائرات التزود والإنذار تخدم أيضاً الدفاع الجوي وحماية القواعد والدوريات البحرية.
المعضلة الخليجية هي أن الحياد أصبح شبه مستحيل. إيران تنظر إلى البنية العسكرية الأمريكية داخل الخليج باعتبارها جزءاً من القوة التي تهاجمها. والولايات المتحدة تعتبر حماية الخليج والممرات سبباً لاستخدام تلك القواعد. وهكذا تجد الدول المضيفة نفسها داخل الحرب حتى إن امتنعت حكوماتها عن إعلان المشاركة.
التصعيد الجوي من الكويت: ادعاء ATACMS يحتاج إلى إثبات تقني
المقاطع المتداولة التي قيل إنها تظهر إطلاق ستة صواريخ ATACMS من راجمات HIMARS في الكويت نحو إيران تحمل أهمية استثنائية، لكن لم أعثر على تأكيد رسمي أمريكي أو كويتي، ولا على تحقق مستقل موثوق يثبت الموقع والزمان ونوع الذخيرة.
تقنياً، إطلاق ATACMS من الكويت ممكن من حيث وجود راجمات M142 وانتشار القوات الأمريكية. لكن مدى الصاروخ، وفق نسخته، يحدد الأهداف الممكنة. معظم المواقع الإيرانية العميقة لا يمكن إصابتها من الكويت بهذه المنظومة، بينما يمكن نظرياً الوصول إلى أجزاء من الساحل والجزر القريبة باستخدام النسخ الأطول مدى. لذلك فإن الادعاء لا يمكن قبوله اعتماداً على شكل الإطلاق فقط، لأن صواريخ أخرى تطلق من راجمات مشابهة وقد يصعب تمييزها بصرياً في تسجيل ليلي.
إذا ثبت استخدام ATACMS، فسيعني ذلك إدخال النيران البرية التكتيكية إلى الحرب، وتقليل الاعتماد على الطائرات في ضرب الأهداف الساحلية. كما سيعني أن الأراضي الكويتية تستخدم منصة إطلاق هجومية مباشرة، وهو تحول أكبر بكثير من مجرد السماح بعبور الطائرات. حتى الآن يبقى هذا سيناريو محتملاً لا واقعة مثبتة.
العراق وإربيل: اختبار قدرة واشنطن على حماية عقدها الخلفية
إعلان التصدي لثلاث مسيّرات قرب القنصلية الأمريكية في أربيل يكشف انتقال إيران أو الأطراف المرتبطة بها من مهاجمة المنصات الأمامية في الخليج إلى اختبار العقد الخلفية التي تدعم القيادة والاتصالات والاستخبارات.
إربيل مهمة لأنها بعيدة نسبياً عن محور هرمز، لكنها تضم منشآت أمريكية وتعمل كنقطة ربط بين العراق وسوريا وتركيا وإيران. مهاجمتها تفرض على الولايات المتحدة توزيع الدفاعات الجوية على رقعة أوسع، وهو هدف إيراني منطقي في حرب الاستنزاف.
أما الأنباء الإسرائيلية عن سقوط قتلى أمريكيين في أربيل فلم تحظ بتأكيد أمريكي أو عراقي موثوق حتى لحظة إعداد التقرير. لذلك يجب التعامل معها كادعاء غير مثبت، لا كمعلومة عملياتية.
خارك والجزر: الفرق بين خطة ضغط وخطة احتلال
تقرير وول ستريت جورنال عن بحث ترامب الاستيلاء على جزيرة خارك وأبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى وقصف مجمع “جبل الفأس” النووي يمثل أخطر تسريب منذ استئناف الحرب. الصحيفة قالت إن اجتماعاً في غرفة العمليات ناقش استخدام قوات أمريكية للاستيلاء على أراضٍ وجزر إيرانية، إلى جانب توسيع الضربات ضد منشآت الطاقة والموقع النووي المحصن.
لكن مجرد مناقشة الخيار لا يعني اتخاذ قرار التنفيذ. تسريب مثل هذه الخطط قد يكون جزءاً من الحرب النفسية لإقناع طهران بأن استمرارها في إغلاق المضيق سيؤدي إلى خسارة أراضٍ ومنشآت استراتيجية.
احتلال خارك يختلف جذرياً عن ضربها. الجزيرة تمثل عقدة رئيسية لصادرات النفط الإيرانية، لكنها تقع قرب الساحل الإيراني ويمكن استهداف القوة المتمركزة عليها بالصواريخ والمسيّرات والزوارق. السيطرة الأولية قد تكون ممكنة لقوة أمريكية مدعومة جوياً وبحرياً، لكن الاحتفاظ بالجزيرة سيحتاج إلى دفاع جوي، إزالة ألغام، حماية لوجستية، تأمين المرافئ، وتعطيل قدرة إيران على مهاجمتها من البر.
أما أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى فتقع في قلب المضيق، والسيطرة عليها ستمنح الولايات المتحدة مواقع مراقبة ونيران متقدمة. لكنها في المقابل ستضع الجنود الأمريكيين داخل نطاق كثيف من الصواريخ الإيرانية، وتحول الحرب من حملة جوية إلى احتلال أراض إيرانية معلنة. عندها لن يعود ممكناً تسويق العملية على أنها حماية مؤقتة للملاحة.
وجود مجموعتي حاملات طائرات، مجموعة إنزال برمائي، مدمرات إضافية وسفن دعم يوفر القدرة المادية على تنفيذ غارة برمائية أو إنزال محدود. لكنه لا يثبت أن المهمة النهائية هي الاحتلال. هذه القوة مطلوبة أيضاً للحصار، الدفاع الصاروخي، مكافحة الألغام، حماية السفن وتنفيذ الضربات بعيدة المدى. وأكدت تقارير دولية وجود أكثر من عشرين سفينة حربية أمريكية ومئات الطائرات في مسرح العمليات، لكن تفاصيل بعض قوائم السفن المتداولة تحتاج إلى مطابقة مستمرة مع بيانات الانتشار الرسمية.
أوروبا وعملية ASPIDES: حماية التجارة لا الاندماج في الحصار
الانتشار الأوروبي لمكافحة الألغام ومرافقة السفن يختلف سياسياً عن الحصار الأمريكي. الأوروبيون يريدون إبقاء الممرات مفتوحة وحماية التجارة، لكنهم لا يريدون بالضرورة المشاركة في منع السفن من الوصول إلى الموانئ الإيرانية.
هذا الاختلاف قد يصبح فجوة سياسية خطيرة. واشنطن قد تطلب من السفن الأوروبية دعم الممر الذي تديره القوات الأمريكية، بينما ترى بعض العواصم الأوروبية أن مهمتها دفاعية وغير مرتبطة بفرض حصار غير صادر عن قرار دولي واضح.
وجود كاسحات ألغام وسفن غير مأهولة يدل على أن خطر الألغام أصبح جزءاً أساسياً من التخطيط. إيران لا تحتاج إلى زرع حقل واسع ومكتشف كي تعطل الملاحة. مجرد الاشتباه بوجود ألغام يفرض مسح الممرات، إبطاء القوافل ورفع تكاليف التأمين. لذلك تمثل مكافحة الألغام حرب وقت بقدر ما هي حرب تقنية.
معركة الأجواء: NOTAM يرسم حدود الحرب الصامتة
إغلاق مطارات أبها وجازان ونجران وشرورة حتى الساعة 15:00 UTC يوم 16 تموز يمثل حزاماً جغرافياً متصلاً تقريباً على جنوب السعودية، من ساحل البحر الأحمر إلى الحدود الشرقية لليمن. نصوص البرقيات لا تذكر السبب، ولذلك لا يمكن الجزم بأنها أغلقت بسبب تهديد صاروخي أو مسيّر. لكن تزامنها واستمرار استبدال البرقيات السابقة ببرقيات جديدة يشيران إلى إجراء أمني متواصل وليس عطلاً محلياً منفصلاً.
الأثر العسكري الأهم ليس تعطيل أربعة مطارات مدنية فقط. الإغلاق يحرر قطاعات من المجال الجوي، يقلل الأهداف المدنية المتحركة، ويمنح الدفاعات الجوية مساحة أكبر للتعامل مع المقذوفات من دون خطر الالتباس مع الطائرات المدنية. كما أن مواقع المطارات الأربعة ترتبط بمحور الحدود اليمنية والبحر الأحمر والربع الخالي، ما يجعلها مؤشراً على اتساع منطقة الحذر جنوب المملكة.
البرقية الإيرانية A1557/26 أكثر حساسية. فهي تغلق منطقة تدريب عسكري من سطح الأرض إلى ارتفاع غير محدود داخل مضلع SERDU-BONIK-ORPEN-DENSA، مع استثناء الرحلات القادمة إلى مطار قشم أو المغادرة منه. هذا الاستثناء يدعم بقوة تقدير أن المنطقة مرتبطة بقطاع قشم ومضيق هرمز. الإغلاق الرأسي الكامل حتى UNL يعني أن النشاط ليس تدريباً منخفض الارتفاع فقط، بل قد يشمل صواريخ، دفاعاً جوياً، طيراناً قتالياً أو عمليات متعددة الطبقات. لكن نوع النشاط الدقيق لا يرد في النص.
تعليق الطيران العام وVFR في FIR طهران حتى أيلول يمنح السلطات الإيرانية قدرة أكبر على تنقية الصورة الجوية ومنع الطائرات غير المنضبطة من الاقتراب من المناطق العسكرية. وفي سياق الحرب، يتحول هذا الإجراء إلى أداة دفاع جوي وإدارة هوية، حتى لو لم تذكر البرقية السبب الأمني صراحة.
أما إغلاق مساري M318 وM550 في الإمارات يومي 22 و23 تموز بسبب نشاط عسكري، فهو مؤشر يستحق المراقبة. لا يثبت وجود عملية هجومية مرتقبة، لكنه يكشف حجز نافذة جوية مسبقة في قطاع حساس بين أبوظبي ودبي وممرات الخليج. وقد يرتبط بتدريب أو إعادة انتشار أو نشاط دفاعي، إلا أن توقيته وسط التصعيد يمنحه وزناً استخباراتياً أكبر من البرقيات الروتينية.
ترمب وفانس: إدارة واحدة بعقيدتين
خطاب ترامب يقوم على استخدام تهديدات قصوى لتحقيق تنازل سياسي سريع. فهو يلوح بضرب منشآت الطاقة، جبل الفأس، والاستيلاء على الجزر، ثم يقول إن الإيرانيين قد يعودون إلى التسوية. بذلك تتحول القوة العسكرية إلى عملية مزايدة مستمرة. كل تهديد جديد مصمم لرفع الكلفة النفسية قبل الوصول إلى التفاوض.
فانس يقدم عقيدة مختلفة. هو لا ينكر استخدام القوة، لكنه يرفض تحويلها إلى حرب تغيير نظام أو التزام بري مفتوح، ويصر على أن تهديد إيران غير المتكافئ في هرمز لا يمكن إلغاؤه بالقصف وحده. كما انتقد علناً جهات إسرائيلية قال إنها تحاول إبعاد واشنطن عن مسار السلام وإطالة الحملة العسكرية.
هذا الانقسام ليس شكلياً. ترامب يريد أن يبدو مستعداً للذهاب إلى النهاية كي يجبر إيران على التراجع. وفانس يريد منع النهاية نفسها من التحول إلى احتلال طويل وحرب بلا مخرج. الأول يستخدم احتمال الحرب البرية كورقة تفاوضية. الثاني يخشى أن تتحول الورقة إلى قرار لا يمكن التراجع عنه بعد سقوط جنود أمريكيين أو مهاجمة قوة إنزال.
الادعاءات الإيرانية بشأن كوشنر وويتكوف، وتسريب المعلومات إلى إسرائيل أو استغلال المفاوضات في الأسواق المالية، لم تثبت بصورة مستقلة. البيت الأبيض نفى وصول الرسالة المزعومة إلى فانس. لذلك لا يمكن البناء عليها كحقيقة. لكن تداولها يخدم هدفاً إيرانياً واضحاً، وهو تعميق الشك داخل الإدارة الأمريكية بين فريق التفاوض وشبكات النفوذ المؤيدة لإسرائيل.
قاليباف وعراقجي: التفاوض من داخل الحرب
خطاب قاليباف لا يغلق باب الدبلوماسية، بل يعيد تعريفها كأداة من أدوات الصراع. وفق هذه الرؤية، التفاوض ليس مصالحة مع الولايات المتحدة ولا اعترافاً بحسن نيتها، بل وسيلة لتثبيت ما حققته القوة ومنع واشنطن من تحويل التفوق الجوي إلى شروط سياسية كاملة.
هذا الموقف ضروري للنظام الإيراني لأن رفض التفاوض نهائياً سيمنح ترامب مبرراً لتوسيع الحرب. والعودة غير المشروطة إليه ستظهر طهران وكأنها خضعت للحصار. لذلك يجري بناء صيغة وسطية: إيران مستعدة للتفاوض، لكن فقط بعد الاعتراف بقدرتها على التحكم بالمضيق وعودة واشنطن إلى التزامات مذكرة التفاهم.
عراقجي يركز على اتهام واشنطن بخرق الالتزامات، خصوصاً البند التاسع بحسب الرواية الإيرانية. الهدف هو نقل الخلاف من سؤال “هل تتراجع إيران؟” إلى سؤال “من خرق الاتفاق أولاً؟”. هذه المعركة القانونية مهمة لأن طهران تريد إقناع الصين وروسيا والدول غير الغربية بأن الرد الإيراني دفاع عن اتفاق انتهكته واشنطن، لا محاولة لابتزاز التجارة العالمية.
لبنان: المنطقة التجريبية كمعمل لإعادة بناء السلطة
اختتام محادثات روما باتفاق على هيكل وإرشادات عملية المناطق التجريبية يمثل انتقالاً من التفاوض السياسي العام إلى هندسة ميدانية. وأكدت رويترز وأسوشيتد برس أن الطرفين اتفقا على مبادئ العملية، على أن تستكمل التفاصيل وتبدأ المرحلة التقنية خلال الأيام المقبلة.
المشكلة الأساسية ليست رسم حدود المنطقة الأولى، بل ترتيب الخطوات. لبنان يريد انسحاباً إسرائيلياً واضحاً يثبت أن المسار يعيد الأرض. إسرائيل تريد ضمانات بأن الجيش اللبناني سيمنع عودة حزب الله. والولايات المتحدة تريد استخدام منطقة صغيرة كنموذج يمكن نسخه على بقية الجنوب.
إذا بدأ انتشار الجيش اللبناني قبل انسحاب إسرائيلي ملموس، فقد يظهر الجيش كقوة تنفذ شروط الاحتلال. وإذا انسحبت إسرائيل قبل بناء قدرة أمنية فعالة، ستخشى من عودة الحزب أو بنية مرتبطة به. لذلك فإن نجاح المنطقة التجريبية يعتمد على التزامن الدقيق بين الانسحاب، الانتشار، التفتيش، التعامل مع السلاح، وعودة السكان.
الأهم أن واشنطن تفصل المسار اللبناني مؤقتاً عن الجبهة الإيرانية. فهي تحاول إغلاق جبهة لبنان تدريجياً بينما تصعد ضد إيران، لمنع طهران من استخدام الجبهة اللبنانية كورقة تخفيف ضغط. إلا أن هذا الفصل هش. أي توسع أمريكي نحو احتلال جزر إيرانية أو ضرب منشآت نووية عميقة قد يدفع إيران إلى مطالبة حلفائها برفع مستوى المواجهة، ويجعل تنفيذ التفاهم اللبناني أكثر صعوبة.
صفقات السلاح: تثبيت البنية العسكرية لما بعد الحرب
موافقة وزارة الخارجية الأمريكية على صفقة محتملة لمنظومات APKWS للسعودية بقيمة 1.96 مليار دولار، وصفقة دعم أسطول C-17 الكويتي بقيمة 484 مليون دولار، تحملان دلالة تتجاوز القيمة التجارية.
ـ APKWS يحول الصواريخ غير الموجهة إلى ذخائر دقيقة منخفضة الكلفة نسبياً، ويمكن استخدامه ضد المسيّرات والأهداف الخفيفة والزوارق. وهذا يتناسب مباشرة مع طبيعة التهديد الإيراني غير المتكافئ. أما دعم C-17 للكويت فيعزز قدرة النقل الاستراتيجي والإمداد والصيانة، وهي قدرة أساسية في حرب تعتمد على تدفق الذخائر والاعتراضات وقطع الغيار.
المعنى الأوسع هو أن واشنطن لا تخطط لأيام قتال فقط. هي تبني شبكة خليجية قادرة على تحمل مرحلة طويلة من الدفاع الجوي، النقل العسكري والتعامل مع المسيّرات. لكن الموافقات لا تعني أن الأنظمة ستصل فوراً أو تؤثر في المعركة الحالية، لأن الصفقات تحتاج إلى عقود وتسليم وتدريب.