أفق نيوز
الخبر بلا حدود

بين الحسابات الاستراتيجية والتوازنات العسكرية.. “اتفاق مكة” وارتداداته المباشرة على المشهد اليمني

55

أفق نيوز| تقرير| خاص

في خطوة تدل على إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وبناء التحالفات العابرة للأقاليم، يأتي “اتفاق مكة” المتعدد الأطراف بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد ليضع المنطقة أمام مرحلة جديدة من إعادة تموضع القوى العظمى والإقليمية. وفي حين تتعدد القراءات التحليلية حول دوافع هذا التوافق الثلاثي، تبدو المخرجات والارتدادات المباشرة لهذا الاتفاق شاخصة بالدرجة الأولى على الملف اليمني، الذي لطالما شكل ساحة رئيسية للتجاذبات الاستراتيجية.

أولاً: طبيعة الاتفاق.. مثلث جديد للنفوذ والتوازن

لا يمكن قراءة اتفاق مكة بوصفه مجرد تفاهم سياسي عابر، بل هو هندسة استراتيجية جديدة تعتمد على توزيع الدور والتكامل بين القوى الثلاث:

  • الريادة والغطاء والتمويل (السعودية): تسعى الرياض من خلال هذا التوافق إلى توفير مظلة إقليمية أكثر صلابة لحماية أمنها القومي واستقرار حدودها الجنوبية، مع إعادة هندسة نفوذها السياسي والاقتصادي.

  • الثقل العسكري واللوجستي (باكستان): توفر إسلام آباد عمقاً أمنياً وعسكرياً تقليدياً يمنح التحالف قدرات ردع عالية ودعماً تقنياً وعسكرياً متقدماً.

  • الخبرة الجيوستراتيجية والصناعات العسكرية (تركيا): يتيح الدخول التركي القوي تزويد التحالف بالتقنيات العسكرية الحديثة (لا سيما سلاح الطائرات المسيرة والدفاع الجوي)، إلى جانب التكتيكات الأمنية المتقدمة.

ثانياً: الحسابات الاستراتيجية والتوازنات العسكرية

يقوم اتفاق مكة على تحقيق توازن حذر بين المصالح المتقاطعة لهذه الدول:

1. الردع وإعادة صياغة القوة

يدرك أطراف الاتفاق أن الميدان هو الموجه الرئيسي للسياسة؛ لذا تهدف هذه الشراكة إلى فرض معادلة ردع جديدة في الممرات المائية الحيوية (البحر الأحمر وباب المندب) وتأمين خطوط الملاحة وحركة التجارة الدولية.

2. سد الفراغ الاستراتيجي

في ظل تغير الأولويات الدولية والتراجع النسبي للضمانات الأمنية التقليدية، يسعى التكتل إلى الاعتماد على الذات وإدارة أزمات الإقليم عبر تحالفات إقليمية وإسلامية ذات وزن عسكري واقتصادي مستقل.

ثالثاً: الارتدادات المباشرة على المشهد اليمني

يمثل اليمن النقطة الأكثر تأثراً بتداعيات اتفاق مكة، وتتجلى هذه الارتدادات في عدة محاور رئيسية:

  • تعديل موازين القوى الميدانية: قد يترتب على الاتفاق تدفق خبرات وتقنيات عسكرية جديدة للطرف المدعوم من التحالف، مما يغير من قواعد الاشتباك ويدفع القوى الميدانية (أنصار الله) إلى إعادة التموضع ومراجعة الحسابات العسكرية.

  • ضغط سياسي مضاعف نحو التسوية: قد يُستخدم هذا التحالف الثلاثي كأداة ضغط سياسي ودبلوماسي لفرز معادلة تفاوضية جديدة تُجبر كافة الأطراف اليمنية على الجلوس إلى طاولة المفاوضات وفق معطيات وتوازنات جديدة.

  • ملف إعادة الإعمار والاستقرار: يفتح دخول تركيا وبكثافة خلف الشراكة السعودية آفاقاً لمشاريع إغاثية واقتصادية كبيرة في المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها، ما يمنحها هامشاً أكبر للاستقرار الاقتصادي والخدمي.

ختاماً: سيناريوهات القادم

يبدو المشهد اليمني عقب اتفاق مكة مفتوحاً على مسارين متوازيين: إما الذهاب نحو تصعيد ومرحلة جديدة من اختبار القوة لإثبات النجاعة الميدانية للتحالف الجديد، أو التقاط كافة الأطراف للرسائل الاستراتيجية للاتفاق والجنوح نحو تسوية سياسية شاملة تُنهي حالة الاستنزاف وتصيغ واقعاً يمنياً جديداً يتماشى مع خريطة النفوذ الإقليمية الناشئة.