أفق نيوز
الخبر بلا حدود

تصفية الحسابات السياسية خلف الأسوار.. “راكيفيت” كعنوان للردع الانتقامي الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر

40

أفق نيوز| خاص

تتحول السجون الإسرائيلية لم تعد مجرد أجهزة لاحتجاز المعتقلين، بل أضحت إحدى أبرز الأدوات المستخدمة في استراتيجية الردع والمواجهة السياسية والعسكرية. ويقف معتقل “راكيفيت”—الواقع تحت الأرض في مجمع سجن الرملة—كشاهد على التحول العميق في عقيدة الاحتلال الأمنية والسياسية تجاه الفلسطينيين.

ففي وقت تصاعدت فيه التقارير الحقوقية والميدانية حول تعرض أسرى “قوات النخبة” التابعة للمقاومة في قطاع غزة لاحتجاز وتعذيب ممنهجين في هذا السجن المظلم، تتكشف دوافع سياسية وعسكرية تتجاوز الإجراءات الأمنية التقليدية إلى مربع الانتقام الرمزي وتصفية الحسابات السياسية.

أولاً: إعادة تدوير “جحيم تحت الأرض”.. الهندسة النفسية للردع

أنشئ سجن “راكيفيت” في ثمانينيات القرن الماضي لاحتجاز أعتى قيادات الجريمة المنظمة قبل إغلاقه نظراً لظروفه القاسية وغير الإنسانية. إلا أن القرار الإسرائيلي بإعادة فتح وتجهيز هذا المنشأة الخرسانية المغلقة تحت الأرض خصيصاً لأسرى غزة يحمل رسالة سياسية ونفسية شديدة الدلالة:

  • العزل التام عن العالم: تحويل السجن إلى “صندوق إسمنتي المغلق” يحرم الأسرى من رؤية ضوء الشمس والتواصل مع العالم أو معرفة الوقت.

  • كيّ الوعي بالصدمة: تسعى المؤسسة الأمنية عبر التعذيب الممنهج والحرمان الشعائري والديني إلى محاولة تفكيك البنية النفسية والمعنوية لأسرى “النخبة”، كاستجابة مباشرة للصدمة الأمنية والعسكرية التي فرضتها أحداث 7 أكتوبر 2023.

ثانياً: أداة في يد اليمين الفاشي والسياسة الداخلية

يمثل معتقل “راكيفيت” الثمرة المباشرة للعقيدة الأمنية المتطرفة التي يقودها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير. فالزيارات التفقدية العلنية للوزراء الإسرائيليين وتصريحاتهم الداعية لإعدام المعتقلين أو إبقائهم تحت الأرض دون رؤية النور، تؤكد استخدام ملف الأسرى كـ “ورقة استعراض سياسي”:

  1. إرضاء الشارع اليميني: تسعى الحكومة الإسرائيلية لتقديم ممارسات التعذيب الممنهج في “راكيفيت” كمنجز أمني للشارع الغاضب والمطالب بالانتقام.

  2. شيطنة وتجريد من الإنسانية: تُستخدم آليات العزل والتعامل برقمية سرية للسياسيين والحراس لتجريد الأسرى من حقوقهم القانونية والإنسانية تحت قانون “المقاتل غير الشرعي”.

ثالثاً: تكتيكات التفاوض ورفع كلفة المستقبل

تحليلياً، يتجاوز سلوك الاحتلال في “راكيفيت” فكرة الانتقام اللحظي ليصل إلى محاولة التأثير على معادلة إدارة الصراع المستقبلية:

  • أوراق ضغط للتفاوض: الممارسات التعسفية والعزل التام في السجون السرية تُوظف كأداة ضغط سياسي ونفسي على قيادة المقاومة في أي ملفات تبادل مرتقبة.

  • محاولة ترميم نظرية الردع: بعد الانهيار الكبير لأسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”، تحاول تل أبيب بناء ردع جديد عبر إظهار القسوة المفرطة والتعذيب الجسدي والنفسي بحق من تعتبرهم مهندسي وهواة عمليات العبور في 7 أكتوبر.

خلاصة:

لم يعد سجن “راكيفيت” مجرد معتقل مغلق تحت الأرض؛ بل أصبح نموذجاً حياً للردع الانتقامي الإسرائيلي الذي يستبدل قواعد القانون الدولي والتفاهمات الحقوقية بأدوات تصفية الحسابات السياسية. وبينما تستمر الممارسات الممنهجة بعيداً عن أعين المنظمات الدولية، فإن تجربة السجون تؤكد تاريخياً أن التعذيب والعزل وتغليب المنطق الانتقامي لم ينجح يوماً في كسْر الإرادة السياسية أو إنهاء كوامن الصراع.