أفق نيوز
الخبر بلا حدود

من العدوان إلى الافتراء .. السعودية تُقحم مكة في معركة التضليل ضد اليمن

41

أفق نيوز| طارق الحمامي

لم يكن اتهام العدو السعودي الأخير لليمن بشأن استهداف مكة المكرمة مجرد رواية عسكرية عابرة؛ فقد فتح الباب أمام معركة جديدة تتجاوز الميدان إلى الوعي والرأي العام، وتضع واحدة من أقدس مدن المسلمين في قلب الصراع السياسي والإعلامي، وفي كلمة حملت رسائل سياسية ودينية وإعلامية متشابكة، رفض السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله الاتهام السعودي، واعتبره بهتانًا وافتراءً يستهدف الشعب اليمني ويُسيء إلى قدسية مكة من خلال توظيف اسمها في الصراع.

من الحرب إلى معركة الرواية

تكمن أهمية كلمة قائد الثورة في أنها لم تتعامل مع الاتهام باعتباره حادثة عسكرية منفصلة، بل وضعته ضمن سياق أوسع من الصراع مع العدو  السعودي، وبحسب ما أكده السيد القائد، فإن العدو السعودي لا يستخدم فقط أدوات الحرب العسكرية والاقتصادية، وإنما يوظف كذلك أدوات التأثير السياسي والإعلامي، وصولًا إلى استدعاء أكثر العناوين حساسية في الوجدان الإسلامي، مكة المكرمة والمقدسات، وهنا تظهر المعركة الجديدة بوضوح، فالميدان العسكري ليس وحده ساحة المواجهة؛ بل أصبحت الرواية نفسها سلاحًا، وأصبح تشكيل موقف الجمهور من الحدث هدفًا لا يقل أهمية عن الحدث الميداني ذاته، فالخبر المرتبط بمكة قادر على إنتاج ردود فعل واسعة وسريعة، وقد يؤدي انتشار الاتهام قبل التحقق منه إلى ترسيخ صورة يصعب تغييرها لاحقًا.

“التثبت” في مواجهة سرعة التضليل

من أبرز مرتكزات الكلمة الدعوة إلى التثبت والتبين والتحقق قبل إصدار الأحكام، وقد وجه السيد القائد في الخطاب  المسؤولية  باتجاه العدو السعودي الذي أطلق الاتهام وإلى كل من تلقفه وأصدر موقفًا بناءً عليه دون تحقق، معتبرًا أن سرعة الإدانات في مثل هذه القضايا تمنح الرواية غير المثبتة قوة إضافية،  وتكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة عندما يتعلق الأمر بمكة؛ لأن أي اتهام يرتبط بالمقدسات يمكن أن يتحول بسرعة من خبر عسكري إلى قضية دينية وشعبية عابرة للحدود،  ومن هنا فإن السؤال الذي تطرحه الكلمة يتجاوز “ماذا قال العدو السعودي؟” إلى سؤال أكثر جوهرية، أين الدليل؟ وهل سبقت الإدانة عملية التحقق؟

لماذا مكة؟

اختيار مكة في الخطاب السياسي ليس تفصيلًا هامشيًا؛ فالمدينة تمثل مركزًا دينيًا بالغ الحساسية لدى المسلمين في مختلف أنحاء العالم، ولهذا فإن إدخال اسمها في الصراع يرفع مستوى التأثير النفسي والسياسي للرسالة بصورة كبيرة، ويرى قائد الثورة أن هذا الاستخدام للمقدسات يمثل توظيفًا سياسيًا لها، ويؤكد في المقابل أن الشعب اليمني أكثر الشعوب ارتباطا بالمقدسات الإسلامية ومستعدًا للدفاع عنها، وهذه إحدى أهم عمليات إعادة بناء الرواية التي تقوم عليها الكلمة.

سجل العدوان حاضر في خلفية المشهد

لا تفصل الكلمة الاتهام الأخير عن تاريخ العدوان  السعودي على اليمن،  فقد أعاد السيد القائد  التذكير بالعدوان والحصار والتدخل العسكري، معتبرًا أن الاتهام الأخير يأتي في سياق مستمر من المواجهة، ومن هذه الزاوية، لا يُقرأ الاتهام باعتباره حدثًا مستقلًا، وإنما باعتباره حلقة جديدة في العدوان والحصار المستمر منذ اثني عشر عاما.

من مكة إلى القدس .. أين تكمن بوصلة الصراع؟

النقلة الأبرز في الكلمة جاءت عندما انتقل حديث السيد القائد من مكة إلى المسجد الأقصى وفلسطين، فبدل قبول حصر النقاش في الاتهام السعودي، طرح قائد الثورة سؤالًا آخر أمام الأنظمة والحكومات الإسلامية،  ماذا تفعلون تجاه ما يجري في فلسطين والقدس؟ويقدم الخطاب العدو الإسرائيلي باعتباره الخطر الرئيسي على المقدسات، مستشهدًا بالانتهاكات المستمرة في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وبذلك يحاول إعادة توجيه بوصلة النقاش من الصراع داخل العالم الإسلامي إلى الصراع مع العدو الإسرائيلي، معتبرًا أن تحويل الأنظار إلى اليمن يصرف الاهتمام عن القضية الفلسطينية.

البيانات أم المواقف العملية؟

أحد أكثر المحاور حدة في الكلمة هو مطالبة الحكومات التي أصدرت بيانات ضد اليمن بأن تُظهر مواقفها العملية تجاه فلسطين، فوفق منطق الخطاب، لا تكفي بيانات الإدانة لإثبات الغيرة على المقدسات، وإنما المعيار الحقيقي هو ما تقدمه الدول من مواقف وسياسات وإجراءات عملية، وهنا تتحول الكلمة إلى مساءلة سياسية أوسع، إذا كانت مكة والأقصى والمقدسات قضية مركزية، فما الذي قدمته الأنظمة لحمايتها؟
وبذلك يضع الخطاب “الميدان” في مواجهة “البيان”، ويجعل الفعل معيارًا للحكم على صدقية الشعارات.

ختاما ..

تضع كلمة قائد الثورة اتهام العدو السعودي في إطار أوسع، صراع على الحقيقة، وعلى الرواية، وعلى بوصلة الموقف الإسلامي، فالخطاب يرى أن العدو السعودي انتقل، من أدوات العدوان العسكري إلى استخدام الاتهام المرتبط بمكة في معركة سياسية وإعلامية ضد اليمن، وفي المقابل، يؤكد السيد القائد على أن الدفاع عن اليمن لا يعني التخلي عن فلسطين، وأن التمسك بالمقدسات يبدأ برفض توظيفها في الصراعات السياسية، وبالتحقق من الأخبار قبل إصدار الأحكام،  وهنا تبرز الرسالة المركزية التي يمكن استخلاصها من الكلمة، أن المقدسات أكبر من أن تكون أداة في معركة سياسية، والحقيقة أكبر من أن تُحسم بالبيانات، والمواقف لا تثبتها الشعارات وحدها وإنما الأدلة والأفعال.