نهج الفرعنة وسلوك قطعان العبيد
أفق نيوز| إبراهيم محمد الهمداني
إن الحديث عن فرعون لا يعني – بالضرورة فقط – الإشارة إلى ذات الشخص، المتعين بحضوره التاريخي الزماني والمكاني، كرمز للاستكبار والإجرام والاستبداد، وإنما يعني إضافة أيضا إلى ذلك، الإشارة القصدية إلى حالة عامة، من فلسفة الطغيان والاستكبار وإذلال الناس واستعبادهم، التي تحولت إلى نهج هيمنة وسلوك تسلط، على طريقة الممارسة الفعلية، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الفاعل، هو شخص “فرعون” بذاته في تموضعه الفردي، أو نظاما سياسيا حاكما في تموضعه السلطوي، أو منظومة سياسية استعمارية عالمية في تموضعها التسلطي، مادامت جميع الفواعل تتبنى نهج الفرعنة والاستكبار، وتجسد فلسفة الهيمنة والاستعباد، وتمارس الاستعلاء والطغيان والاستبداد، لأن النفوس حين تصاب بمرض الكبر والغرور والغطرسة، تسود في واقعها حالة تضخم الأنا المتعالية، وهو ما يجعلها تنفصل عن جوهرها وقيمها الإنسانية، وتسقط في مستنقع التوحش والإجرام، لتصل تداعياتها وآثارها السلبية ونتائجها الكارثية، إلى تحريف معنى الحياة؛ في قيمتها الوجودية وفلسفتها ومفاهيمها وأبعادها المختلفة، وإكسابها معنى زائفا مغايرا لحقيقتها، يتناسب وتصورات ومصالح مشروع الفرعنة التسلطي، حيث تختل معايير تقييم وتعريف الخير والشر، وفقا لتموضع القوة المادية والثروة والوفرة المالية، التي تتحول من وسيلة للنهوض والبناء والتطور، إلى أداة للهدم والطغيان والجمود.
تلك هي خلاصة الفلسفة الفرعونية القديمة، المتجددة عبر الزمان والمكان، التي تقوم على منطق الاستعلاء والاستكبار، وسلوك استباحة دماء وحقوق المستضعفين، بناء على معطيات نهج الفرعنة، الذي يمنح فرعون/ الطاغية – بناء على ما يمتلكه من التفوق العسكري والوفرة المالية – الحق الثابت والمطلق، في التصرف بما يقع تحت سلطانه أرضا وإنسانا، حسب هواه ورغباته ومزاجه الشخصي، بوصفه ملكية خاصة خالصة، لا فرق فيها بين الإنسان وسقط المتاع، وللمالك أن يفعل في ملكه ما يشاء، دون حسيب أو رقيب، ودون أدنى مساءلة أو عتاب، نظرا لمكانته المقدسة بفعل الهيمنة، حين استخف قومه فأطاعوه وفرعنوه، فأصبح إلها أو ظل إله، يُعبد على الأرض من دون الله أو شريكا له – سبحانه الله وتعالى عن أن يكون له ند أو شريك – وذلك للأسف حال الغالبية العظمى عبر التاريخ، حتى أولئك الذين يسمون أنفسهم مؤمنين بالله، ويحسبون أنهم كذلك، يُشَخِصُ اللهُ جل وعلا واقعَهم بقوله: “وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون”، جاعلين من مبدأ “طاعة ولي الأمر” طقسا تعبديا، يتجاوز طروحات التسلسل والتراتبية، بين “طاعة الله ورسوله وأولي الأمر”، ليصبح “ولي الأمر/ فرعون” هو المتقدم مطلقا، المعبود بالطاعة وحده لا شريك له، متجاوزا محددات التراتبية، التي تبين من هو “ولي الأمر” الواجبة طاعته، وما حدودها، إلى فرض الندية في معنى الولاية والطاعة مع الله تعالى ورسوله، ثم القفز من مستوى مزاعم الندية السلطوية، بين مقامات الولاية الثلاثة، إلى فرض سلطة الذات المتفردة بالاستعلاء التسلطي، وتقديم طاعة سلطان فرعون الحاكم، الحاضر الدنيوي المتسلط، خوفا من غضبه وطمعا فيما عنده، وتقديم رضاه على رضى الله سبحانه وتعالى.
حين يبلغ المجتمع الإنساني هذا المستوى المتقدم، من الانحراف الإيماني والانحدار القيمي والأخلاقي، يصبح بيئة خصبة لتنامي تسلط المستكبرين، وازدهار هيمنة الجبابرة الظالمين، وتكاثر سلالات الفراعنة الأشرار المستبدين، الذين لا يقبلون من أتباعهم بأقل من العبودية المطلقة، كما فعل المجرم الأموي الملعون، يزيد بن معاوية – عليهما لعنة الله – حين أُخِذتْ له البيعة عنوة من معظم المسلمين، على الإقرار بأنهم عبيد أقنان، ملكا خالصا ليزيد يفعل بهم ما يشاء، ولم تقتصر نتائج ذلك التواطؤ الضمني على الانحراف، والاتفاق العلني على العبودية، عند فاجعة كربلاء المأساوية، بوصفها أول عملية تطهير عرقي وإبادة جماعية وحشية، حيث قتل آل بيت رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – بسلطة مقام جدهم المغتصبة، وبتحريف رسالته وشريعته المطهرة، وأكثر من ذلك شهد التاريخ الإسلامي، والتاريخ الإنساني عامة، أكبر عملية تحول إيماني وقيمي وإنساني، من شرف العبودية لله تعالى، إلى ذل العبودية المطلقة ليزيد الملعون، الذي نصَّب نفسه إلها عليهم من دون الله، وفعل بهم أسوأ الأفاعيل والمنكرات، ولم يترك لفرعون موسى سابقة في إجرام، أو فرادة في منكر، أو تميزا في فسق وطغيان، أو زيادة من استبداد واستعباد، جاعلا من بيعتهم له على العبودية المطلقة، سيفا مسلطا على رقابهم، وحجة على مشروعية طغيانه وإجرامه مهما بلغ، وشاهدا عليهم بوجوب السمع والطاعة، والاستسلام والتسليم المطلق للأمير، وإن جلد ظهرك وأخذ مالك وانتهك عرضك، وقد فعل ما هو أعظم وأجرم، من مجازر الإبادة بحق أهل المدينة المنورة وغيرهم، واستباحة دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وتدنيس مسجد الرسول ومقام مرقده الشريف، بأفعال الاغتصابات الشنيعة، من قبل جنوده بفتيات ونساء المهاجرين والأنصار، وغير ذلك من الجرائم والمنكرات العظيمة، التي تشيب لهولها الولدان، مما اقترفه فرعون بني أمية وملأه الفاسقين، وهو ذات النهج الاستكباري الإجرامي، الذي استمد منه الكيان السعودي الفرعوني، تصوره الاستعلائي المتغطرس، وسلوكه الإجرامي المتطرف المتوحش.