سيناريوهات ما بعد اغتيال الشهيد الرهوي
أفق نيوز|
تحليل| أحمد داود
تشكل الجبهة اليمنية المساندة لغزة الكابوس الأكبر لكيان العدو الإسرائيلي منذ انطلاق معركة طوفان الأقصى عام 2023م، فبعد أن كان العدو الإسرائيلي ينظر إليها بنوع من الاستخفاف، تحولت إلى الخطر الكبير الذي يهدده، والجبهة الضاغطة لإيقاف عدوانه وحصاره على قطاع غزة.
وتصاعدت الأحداث دراماتيكياً خلال الأيام الماضية، فالعدو الإسرائيلي -الذي ظل لأشهر كثيرة يبحث عن ثغرة لاختراق الجبهة اليمنية- تمكن بـ”ضربة حظ” -كما يصفها الرئيس مهدي المشاط- من اغتيال رئيس الحكومة أحمد غالب الرهوي وعدد من الوزراء في اجتماع لهم الخميس الماضي.
وعلى الرغم من فداحة المصاب، وهول الفاجعة، إلا أن التأثير على الجبهة اليمنية ليس كبيراً، فالاستهداف كان لوزراء عاملين في المجالات المدنية، ونشاطهم معروف، وتحركاتهم كذلك معروفة، ومع ذلك فإن عمل الحكومة استمر دون انقطاع، والوزير الشهيد سيخلفه وزير آخر، وهكذا هي طبيعة الحياة.
لكن التساؤل الذي يطرح نفسه: ما الذي دفع العدو الإسرائيلي للقيام بهذه الجريمة؟ وما مدى قدراته في الانخراط بشكل أكبر في الجبهة اليمنية؟.
وبقراءة للأحداث وتتابعها، فقد شكل تدشين القوات المسلحة اليمنية لعملياتها في عمق كيان العدو الإسرائيلي بالصواريخ الانشطارية الحدثَ الأكثر رعباً وذعراً للصهاينة، فهذا النوع من الصواريخ لا يمكن اعتراضه كما يقول الخبراء، وهو من الصواريخ الفرط صوتية [فلسطين 2]، لكن تم تطويره ليتحول إلى عبوات انشطارية تزيد العدو إحباطاً إذا حاول اعتراضه، حيث يتحول إلى شظايا مرعبة، وهذا النوع من الصواريخ لا يزال يشكل صداعاً مزمناً للصهاينة خلال تجربة حرب الـ 12 يوماً مع الجمهورية الإسلامية، حيث تمكنت صواريخ إيران الانشطاريةُ من دك مربعات سكنية بأكملها، واضطر كيان العدو إلى رفع الراية البيضاء والاستسلام.
وتزداد المخاوف الإسرائيلية إذا ما انتقل اليمن إلى هذه المرحلة من العمليات القاسية، والتي لا يمكن للعدو معها إنكار فاعليتها وتأثيرها، ولهذا جاء العدوان الصهيوني على العاصمة صنعاء ليستهدف الأعيان المدنية، من خلال استهداف محطة النفط التابعة لشركة النفط، ومحطة كهرباء حزيز، ثم القيام بعملية استهداف اجتماع اعتيادي لحكومة التغيير والبناء، والتي نتج عنها استشهاد أحمد غالب الرهوي وعدد من الوزراء، وهو يبحث بذلك عن ضغط كبير على اليمن لإيقاف عملياته المساندة لغزة.
نحن -إذاً- أمام مرحلة جديدة، فاليمن -البعيد جغرافياً عن فلسطين المحتلة- بات هو الجبهة الأكثر فاعلية وتأثيراً على كيان العدو، فيما تفضّل الدول العربية المجاورة لكيان العدو الصمت، والتواطؤ، بل والخيانة الكبرى للقضية الفلسطينية ومقدساتها، من خلال دعم العدو بكل الوسائل المتاحة في جرائمه بالمنطقة.
وأمام واقع كهذا، فإن العدو الإسرائيلي يمضي في مخططه الإجرامي الكبير المتمثل في ما يطلق عليه مجرم الحرب نتنياهو “إسرائيل الكبرى”، بدعم كبير وغير محدود من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وهو مشروع يستهدف المنطقة برمتها، ويتجاوز حدود فلسطين إلى الحدود اللبنانية، السورية، المصرية، والخليجية، وليس هناك رادع لهذا المخطط في الوقت الراهن سوى اليمن وقيادته الحكيمة، ولهذا فإن السيناريو الأول يتضمن استمرار العدو الإسرائيلي في مخططه الجهنمي مقابل استمرار اليمن في التصدي له، وهذا يعني المزيد من المواجهة بأساليب وأشكال متعددة، وهنا فإن التكلفة ستكون كبيرة على العدو، ولا يُستبعد أن تلجأ القوات المسلحة إلى استخدام أسلحة جديدة ذات تأثير وضغط كبير على كيان العدو.
أما السيناريو الثاني فهو أن يؤدي العدوان الصهيوني على اليمن إلى انكفاء الجبهة اليمنية، وتراجع مساندتها لغزة، كما حدث للجبهة اللبنانية والعراقية، غير أن هذا السيناريو ليس مطروحا على الإطلاق، وخاصة أن القيادة الثورية ممثلة بالسيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- تؤكد أن اليمن لا يمكن أن يتوقف في منتصف الطريق، ولا يمكن التراجع عن إسناد غزة، لأنه موقف ديني ومبدئي، ولهذا فعلى العدو الإسرائيلي أن يدرك أن اليمن عصي على الانكسار، ولا يمكن لغاراته أن توقف اليمنيين، وهم المعروف عنهم بالصلابة والصبر وقوة التحمل، وخير مثال على ذلك إخفاق العدوان السعودي الأمريكي في تحقيق انتصار على اليمن، رغم استمرار العدوان لعشر سنوات.
وإذا كان السيناريو الثاني غير قابل للتطبيق، فإن البعض يرى أن السيناريو الثالث قد يكون الأقرب، والمتمثل باستمرار المواجهة بين كيان العدو واليمن بالوتيرة ذاتها، بمعنى استمرار إطلاق الصواريخ من اليمن، مقابل تنفيذ كيان العدو لغاراته على الأحياء المدنية.
على العموم، نحن في معركة مفتوحة، ومن خلال تسميتها بمعركة (الفتح الموعود والجهاد المقدس) فإن كل الاحتمالات واردة، ولا سيما التصعيد الكبير، فالمشروع القرآني لا يستند إلى المصالح السياسية في تعامله مع الكيانات والدول، وإنما يبني علاقته وفقاً للمنهجية القرآنية، [لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا]، والصراع مع اليهود هو طويل ولا أفق له، ولا يمكن أن يلتقي المؤمن مع الصهيوني، ولهذا فإن الاستعداد للمواجهة والجهاد في سبيل الله هو أنجع الحلول لمواجهة مشاريع ومخططات الصهاينة، ومن يؤمن بهذا المسار فعليه الاستعداد لمرحلة كبيرة وطويلة مع العدو الإسرائيلي لا تنتهي إلا بزواله وخروجه من فلسطين والمنطقة.