أفق نيوز
الخبر بلا حدود

من إدارة الأزمة إلى صناعة التقسيم: التحَرّك السعوديّ الإماراتي في اليمن تحتَ المجهر

66

أفق نيوز| جميل المقرمي|

لم يعد ما يجري في اليمن قابلًا للتوصيف بوصفِه تبيانًا في الرؤى أَو خلافًا في التكتيكات بين الرياض وأبوظبي، بقدرِ ما أصبح مشروعًا مركَّبًا تتوزَّعُ فيه الأدوارُ بعناية، وتُدارُ مراحلُه تحت عناوينَ خادعة ظاهرها إدارة الأزمة وباطنها تفكيك الدولة اليمنية وإعادة هندستها بما يخدم أجندات أمريكا وكَيان الاحتلال في المقام الأول.

فقد أثبتت الوقائعُ لا الخطابات أن هذا التحَرُّكَ تجاوَزَ منذ وقتٍ طويلٍ هدَفَ ما يسمى “دعم الشرعية” أَو “مواجهة الانقلاب” كما يزعمون، وانتقل إلى مرحلة أخطر تقومُ على إدارة التفكك وتطبيع الانقسام وتهيئة الجغرافيا اليمنية لتكون قابلة للتجزئة السياسية والأمنية والاقتصادية.

 

تبادل الأدوار: بين “الصدمة” الإماراتية و”الاحتواء” السعوديّ

في هذا السياق، تسعى الرياضُ وأبوظبي إلى تسويقِ فكرة الخلاف بينهما حول اليمن وكأن ما يحدُثُ صراع نفوذ أَو تضارب مصالح، غير أن قراءةً متأنيةً لمسار الأحداث تكشفُ أن ما يجري هو تقاسُمُ أدوار لا أكثر؛ فالإمارات تتولى دورَ الصدمة عبر أدوات محلية مسلحة ومشاريع انفصالية صريحة وسيطرة مباشرة على الموانئ والجزر والسواحل كما حدث مؤخّرًا في حضرموت، بينما تتولى السعوديّة دور المنقذ والوسيط وراعي الحوار، فتدخل بعد الخراب لتعيد ترتيب المشهد؛ لا؛ بهَدفِ إنهاء المشروع بل لإعادة تدويره وتقديمه بصيغة أقل فجاجةً وأكثر قبولًا محليًّا ودوليًّا، كما فعلت بإدخَال قوات ما تسمى “درع الوطن” بعد أن استطاعت أن تخدع المخدوعين وتعيد إنتاج نفسها كطرف محايد.

من هذا المنطلق لا يمكن فَهْمُ استضافة الرياض لأية حوارات جنوبية أَو سماحها برفعِ رموز الانفصال على أراضيها؛ باعتبَار ذلك حِيادًا أَو حُسن نية، بل؛ باعتبَاره نقلًا للمشروع من طوره الإماراتي الخشن إلى طوره السعوديّ الناعم، مع الحفاظ على الجوهر والأهداف نفسها.

 

“الجنوب العبري” وأطماع البحر الأحمر

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في طرح قضية جنوبية للنقاش؛ فالقضية الجنوبية واقع سياسي واجتماعي لا يمكن إنكارُه، بل يكمن في ربطها بمشروع إقليمي أكبر عنوانُه تفكيكُ الدول الوطنية في محيط البحر الأحمر وخليج عدن، وتأمين الممرات البحرية لصالح كَيان الاحتلال، وخلق كيانات هشة وظيفيًّا وأمنيًّا قابلة للتطويع والسيطرة.

ما يسمى بـ “الجنوب العبري” ليس توصيفًا دعائيًّا بل توصيفٌ سياسي دقيق لمشروعٍ أعلن بعضُ رموزه استعدادَهم الصريح للتطبيع مع كَيان الاحتلال والاندماج في منظومة الاتّفاقات الإبراهيمية، وتحويل جنوب اليمن إلى مِنصة متقدمة للمصالح الإسرائيلية الأمريكية في باب المندب والقرن الإفريقي.

وهنا تتقاطعُ الأدوارُ الإماراتية في عدن وسقطرى والمخاء مع التحَرّكات الإسرائيلية في أرض الصومال، ومع الغطاء السياسي الأمريكي الذي يرى في يمن موحَّد وقوي خطرًا استراتيجيًّا على أمن كَيان الاحتلال ومصالحه البحرية.

 

الشرعية كغطاء للتفكيك

لطالما قدمت السعوديّةُ نفسَها كضامن لوحدة اليمن ورافض لأي مسار انفصالي، لكنها اليوم تقف في منطقة رمادية خطيرة؛ فبدلًا عن أن تواجهَ المشروعَ الإماراتي بوضوح، اختارت احتواءَه وإعادةَ إنتاجه عبر مسارات حوار تُدارُ خارجَ اليمن وبعيدًا عن إرادَة شعبه، وفي ظل غياب الدولة ومؤسّساتها الشرعية الحقيقية.

إن أيَّ حوار يُعقَدُ بينما صنعاءُ خارجَ المعادلة والدولة غائبة والقرار الوطني مرتهن هو حوارٌ فاقدٌ للشرعية مهما حمل من شعارات، والأسوأ من ذلك أنه يُستخدم لاحقًا لتسويق نتائج جاهزة يقال إنها توافق يمني، بينما هي في حقيقتها توافق برعاية خارجية وتحت ضغط سياسي واقتصادي وأمني.

الأخطرُ في المشهد أن ما يسمى بالشرعية تحوَّلت من أدَاة يُفترَضُ أن تحميَ وَحدةَ اليمن إلى غطاء يُستخدَمُ لتمرير أخطر مشاريع تفكيكه؛ فحين تُدار المِلفات السيادية من عواصم الخارج، وحين تُختزَلُ الشرعيةُ في توقيع أَو صمت أَو حضور شكلي، فإنها تفقدُ معناها وتتحوَّلُ إلى شاهدِ زورٍ على تقسيم بلدها.

 

الوعي الشعبي والقرار الوطني

إنَّ أيةَ حلول تُفرَضُ اليوم سواءٌ باسم الجنوب أَو الشمال أَو الأقاليم لا يمكن القبولُ بها على الإطلاق، خُصُوصًا أن الشعبُ اليمني اليوم أصبح أكثر وعيًا من أي وقت مضى، وهو يشاهد بوضوح مصاديق إرادَة الشعب اليمني وقيادته الحكيمة ومشروعه القرآني النابع من عمق الانتماء والهُوية والإيمان والحكمة، ويدركُ أن ما يجري في أزقة السفارات وغرف الفنادق لا يمثّل إرادته ولا يعبر عن تطلعاته؛ لأنه لا ينبع من إرادَة شعب حر ولا من دولة مستقلة، بل من موازين قوى فرضتها الحرب والوصاية.

الخلاصة: المعركةُ اليومَ لم تعد بين وَحدة وانفصال فقط، بل بين سيادة وطنية حقيقية ومشروع إقليمي دولي لتفكيكِ اليمن وإخراجه من معادلة التاريخ والجغرافيا.

وإن أيَّ صمت أَو تبرير أَو انخداع باختلاف الأدوار هو مشاركةٌ غيرُ مباشرة في جريمة سياسية ستدفعُ الأجيالُ القادمةُ ثمنها باهظًا.

اليمن لا يحتاجُ رعاةَ حوار بل يحتاجُ قرارًا وطنيًّا حُرًّا، وما لم يدرك اليمنيون خطورة هذه اللحظة، فإن ما يُطبخ في الغرف المغلقة سيُقدم لهم قريبًا كأمر واقع لا فكاك منه.