أفق نيوز
الخبر بلا حدود

بدر الكبرى… الطريق القرآني لمواجهة الطغاة

35

أفق نيوز| عبدالمؤمن محمد جحاف

في السابع عشر من شهر رمضان، تستحضر الأمة الإسلامية ذكرى واحدة من أعظم المحطات في تاريخها: غزوة بدر الكبرى، التي سماها الله في القرآن الكريم يوم الفرقان، لأنها شكّلت لحظة فاصلة بين الحق والباطل، وبين مشروع الإيمان ومشروع الطغيان. لم تكن بدر مجرد معركة عسكرية عابرة في تاريخ الإسلام، بل كانت تحوّلاً استراتيجياً رسّخ دعائم الإسلام وأثبت أن الحق، مهما بدا ضعيفاً في الظاهر، قادر على الانتصار حين يمتلك وضوح الرؤية وثبات الموقف.
وفي محاضرته الرمضانية السادسة عشرة، يربط السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي “نصره الله” بين تلك اللحظة التاريخية المفصلية وبين الواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية اليوم، في ظل المواجهة المتصاعدة طغاة العصر المستكبرين، وفي مقدمتهم الولايات أمريكا والكيان الصهيوني.

بدر كمرآة للواقع المعاصر

عندما يصف القرآن غزوة بدر بأنها يوم الفرقان، فإن ذلك لا يقتصر على لحظة تاريخية محددة، بل يعكس مبدأً ثابتاً في حركة الصراع بين الحق والباطل. من هذا المنطلق، يرى السيد القائد أن استحضار بدر في هذا التوقيت ليس مجرد إحياء لذكرى تاريخية، بل هو استلهام لدرس استراتيجي تحتاجه الأمة في لحظة تواجه فيها واحدة من أخطر الهجمات التي تتعرض لها.
فالأحداث الجارية في المنطقة من فلسطين إلى لبنان، ومن سوريا إلى اليمن، وصولاً إلى العدوان الواسع على الجمهورية الإسلامية في إيران ، أن الأمة الإسلامية تواجه اليوم منظومة طغيان تقودها أمريكا والكيان الإسرائيلي، وتعمل على توظيف مختلف قوى الكفر والنفاق في مواجهة الأمة.
بهذا المعنى، تصبح بدر نموذجاً لفهم طبيعة الصراع: قلة مؤمنة تواجه قوى طاغية تمتلك إمكانات هائلة، لكنها تفتقر إلى الحق والعدالة.

سقوط أوهام النظام الدولي

من أبرز الاستنتاجات التي يطرحها السيد القائد في الخطاب أن التجارب الطويلة مع ما يسمى بالخيارات الدبلوماسية والرهان على المؤسسات الدولية أثبتت عجزها الكامل عن حماية حقوق الأمة. فالأمم المتحدة والقانون الدولي لم يكونا يوماً عائقاً أمام جرائم القوى الكبرى، بل غالباً ما تحولا إلى أدوات تستخدمها تلك القوى لتغطية سياساتها العدوانية.
الواقع الميداني في فلسطين، وما شهده قطاع غزة خلال العامين الماضيين من جرائم مروعة، يمثل في هذا السياق الدليل الأكثر وضوحاً على أن الحديث عن النظام الدولي القائم على القوانين والأعراف ليس سوى خطاب دعائي لا يمتلك أي حضور فعلي أمام إرادة القوى المستكبرة.
ولهذا، فإن إسقاط خيار الجهاد في سبيل الله من معادلة المواجهة يعني عملياً التخلي عن أي إمكانية حقيقية للدفاع عن الحقوق أو ردع العدوان.

بوصلة العداء في منظور القرآن

إن أحد أخطر ما تواجهه الأمة اليوم هو التشويش على بوصلة الولاء والعداء. فبدلاً من توجيه الوعي الجمعي نحو العدو الحقيقي، تعمل قوى النفاق على تضليل الشعوب عبر تصوير الصراع القائم في المنطقة على أنه مجرد نزاعات سياسية بين كيانات متنافسة.
لكن القرآن، يحدد بوضوح اتجاه الصراع، ويكشف أن أخطر الأعداء على الأمة في هذا العصر هم اليهود والحركة الصهيونية العالمية، التي تمتلك أذرعاً متعددة، من أبرزها الكيان الإسرائيلي والدعم الغربي الذي تقوده أمريكا وبريطانيا.
ومن هذا المنظور، لا يُنظر إلى الكيان إسرائيل باعتبارها مجرد دولة، بل باعتبارها رأس مشروع استعماري توسعي يسعى إلى الهيمنة على المنطقة وفرض معادلة السيطرة الكاملة عليها.

مشروع المزعوم “إسرائيل الكبرى”

التصريحات المتكررة لقادة الكيان الصهيوني و أمريكا حول إعادة تشكيل المنطقة ، معتبراً أن هذه التصريحات ليست مجرد شعارات سياسية، بل تعكس مشروعاً استراتيجياً واضحاً يهدف إلى تمكين إسرائيل من قيادة المنطقة.
وفي هذا السياق، تأتي سلسلة الحروب والاعتداءات التي شهدتها المنطقة – من احتلال فلسطين إلى العدوان على لبنان وسوريا واليمن، وصولاً إلى الهجوم الأخير على إيران – باعتبارها حلقات في مشروع واحد يسعى إلى تفكيك الأمة وإخضاعها سياسياً واقتصادياً وثقافياً.
إن هذا المشروع لا يستهدف الأرض والثروات فقط، بل يسعى أيضاً إلى طمس الهوية الإسلامية للأمة، واستبدال مرجعيتها القرآنية بإملاءات القوى الصهيونية.

إيران في قلب المواجهة

يتناول السيد القائد العدوان الأمريكي الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية في إيران باعتباره تطوراً خطيراً في مسار الصراع، مشيراً إلى أن استهداف إيران لا يرتبط بخلاف سياسي عابر، بل بكونها أحد أهم عوامل القوة في محور المقاومة.
ويرى أن الشعب الإيراني لعب دوراً محورياً في دعم القضية الفلسطينية وفي تعزيز قدرة الأمة على مواجهة المشروع الصهيوني، وهو ما جعله هدفاً مباشراً لهذا العدوان.

وبأن جريمة اغتيال مرشد الثورة الإسلامية السيد علي الخامنئي يمثل محاولة فاشلة لكسر إرادة الشعب الإيراني وإسقاط النظام الإسلامي، و أن مثل هذه المحاولات لن تحقق أهدافها.

الأمة بين الخذلان والنهضة
في الخلاصة، يرى السيد القائد أن ما تشهده المنطقة اليوم هو نتيجة طبيعية لمسار طويل من التخاذل والتفريط، خاصة في ما يتعلق بنصرة القضية الفلسطينية.
فالشعب الفلسطيني كان الخندق الأول في مواجهة المشروع الصهيوني، وكان يفترض أن يحظى بدعم شامل من الأمة، تماماً كما حظي الكيان الإسرائيلي بدعم كامل من أمريكا .
لكن على الرغم من هذا الواقع الصعب، يدعو إلى استعادة دروس بدر الكبرى، باعتبارها نموذجاً تاريخياً يثبت أن موازين القوى الظاهرة لا تحسم الصراع دائماً، وأن وضوح الموقف والالتزام بالقيم القرآنية يمكن أن يغيّر المعادلة.
وهكذا، تصبح ذكرى بدر أكثر من مجرد استعادة لماضٍ؛ إنها دعوة إلى قراءة الحاضر بوعي، واستشراف المستقبل بثقة، على أساس أن يوم الفرقان يمكن أن يتكرر في كل زمان حين تمتلك الأمة إرادة المواجهة.