أفق نيوز
الخبر بلا حدود

اليمن يعيد هندسة الردع ويثبّت معادلات القوة من البحر

55

أفق نيوز| أحمد الضبيبي

في اللحظات المفصلية من تاريخ الأمم، لا تقاس التحولات بحجم البيانات العسكرية، ولا بعدد الصواريخ والطائرات، وإنما بالقدرة على إعادة صياغة قواعد الاشتباك، وقلب موازين القوة، وانتزاع زمام المبادرة من يد الخصم، واليوم تبدو المنطقة بأسرها واقفةً على أعتاب منعطفٍ استراتيجي بالغ الخطورة، تتهاوى فيه المعطيات القديمة، وتتبدل فيه خرائط النفوذ، وتعاد كتابة معادلات الردع بمداد القوة والسيادة والإرادة.

وبينما تتجهُ الأنظارُ إلى مضيق هرمز، حيث تتصاعد التوترات في واحدٍ من أهم الشرايين البحرية العالمية، جاء إعلان القوات المسلحة اليمنية فرض حظر الملاحة البحرية على المملكة السعودية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب والبحر العربي، ليشكل حدثاً مفصلياً لا يقتصر أثره على حدود الصراع اليمني، بل يمتد ليعيد تشكيل المشهد العام للمنطقة بأسرها.

إن إعلان اليمن حظر الملاحة البحرية للعدو السعودي يمثل انتقالاً مدروساً من مرحلة الدفاع الاستراتيجي إلى مرحلة صناعة الوقائع، ومن سياسة امتصاص الضغوط إلى هندسة الضغوط المضادة، وفق معادلة جديدة عنوانها “الحصار بالحصار”، وهي معادلة تُحمّل المجتمع الدولي مسؤولية استمرار الأزمة، وتضعه أمام خيارين لا ثالث لهما، إما استمرار تداعيات الحصار على الممرات الحيوية، وإما الضغط على العدو السعودي لتنفيذ إستحقاقات السلام مع اليمن والدفع به إلى رفع الحصار الشامل والكامل عن اليمن، وإنهاء الحرب، واستكمال الانسحاب من كل الأراضي اليمنية المحتله.

لقد ولى الزمن الذي كانت فيه القرارات المتعلقة باليمن تُصاغ من غرف الرياض وواشنطن، وانقضى عهد الوصاية السياسية والإملاءات الإقليمية، وتحطم الوهم الذي بنى عليه اعداء اليمن رهاناتهم، معتقدين أن التجويع والحصار وإغلاق المطارات وتعطيل الموانئ سيكسر إرادة شعبٍ نحت مجده من صخور الكبرياء، وكتب تاريخه بمداد التضحيات، وسقى ترابه بدماء المدافعين عن الحرية والسيادة والاستقلال.

ومن منظور استراتيجي، فإن توقيت إعلان حظر الملاحة البحرية يكشف عن مستوى عالٍ من الحسابات العسكرية والسياسية المنسقه، عقب سلسلة من التطورات الميدانية والخطابات السياسية التي مهدت لمرحلة جديدة من المواجهة.

لقد اتجهت معظم التقديرات إلى ترقب عمليات استهداف مباشرة للمنشآت الحيوية والمطارات السعودية، غير أن مسار الأحداث أخذ منحى مختلفاً، لتنقل القوات المسلحة مركز الثقل من البر إلى البحر، ومن استهداف الأهداف التقليدية إلى توظيف الجغرافيا البحرية باعتبارها إحدى أكثر أدوات الردع تأثيراً في معادلات الصراع الحديثة.

وبذلك انتقلت المواجهة إلى فضاء أكثر حساسية وتعقيد، حيث تتقاطع المصالح الدولية مع خطوط الطاقة وسلاسل الإمداد وحركة التجارة العالمية، ليغدو البحر الأحمر وباب المندب والبحر العربي مسرح عمليات مفتوح لإعادة رسم قواعد الاشتباك، وإعادة تعريف مفهوم الردع في القرن الحادي والعشرين.

وفي ذات السياق جاء هذا القرار كرسالة تجاوزت بعدها العسكري المباشر، لتؤسس لمعادلة ردعية جديدة، قوامها أن الملاحة البحرية السعودية ستُعامل وفق قواعد الاشتباك ذاتها التي أعلنتها القوات المسلحة اليمنية في سياقات سابقة تجاه الملاحة المرتبطة بالعدو الصهيوني، وأن البحر أصبح ساحة رئيسية من ساحات الصراع، وأن أدوات الضغط لم تعد محصورة في البر أو الجو، بل امتدت إلى شرايين الاقتصاد والطاقة والتجارة.

وإذا كانت الحروب الحديثة تقاس بقدرة الأطراف على التأثير في المصالح الحيوية للخصوم، فإن اليمن، وفق هذه الرؤية، يسعى إلى تثبيت معادلة مفادها أن أمن الملاحة لا يمكن أن ينفصل عن أمن اليمن وسيادته، وأن استمرار الحصار على اليمن ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية إلى المجالين الإقليمي والدولي.

إن المشهد الراهن يعكس انتقال اليمن من مرحلة الصبر الاستراتيجي إلى مرحلة تثبيت معادلات الردع، ومن سياسة امتصاص الضربات إلى امتلاك زمام المبادرة، بما يؤكد أن الدفاع عن الأرض والثروة والسيادة والممرات البحرية قد أصبح عنواناً لمرحلة جديدة تدار بمنطق القوة المتوازنة والإرادة السيادية.

وفي سياق متصل تبدو المنطقة أمام واقعٍ سياسي وعسكري مختلف، واقع لم تعد فيه أدوات الهيمنة كافية لإنتاج النتائج ذاتها، ولم تعد فيه معادلات القوة القديمة قادرة على فرض إرادتها كما كانت في السابق، فموازين الردع تتحرك، والهندسة الاستراتيجية للصراع يعاد تشكيلها، بينما تتآكل اليقينيات المتعجرفة التي طالما اعتبرت ثابتة لا تقبل التغيير.

فما كان يُنظر إليه بالأمس بوصفه خطوطاً حمراء ثابتة، أصبح اليوم عرضةً لإعادة التشكل تحت وطأة المتغيرات المتسارعة، وما كان يدار بمنطق التفوق الأحادي، بات يصطدم بوقائع جديدة تفرضها موازين الردع المتبدلة، وإرادة اليمنيين الصلبه، فزمن إدارة الأزمات بالأدوات ذاتها قد شارف على نهايته، وتجاهل التحولات العميقة في

بنية الصراع لن يقود إلا إلى مزيد من التعقيد واتساع مسرح العمليات العسكرية، فالتاريخ يعلمنا أن الأمم التي لا تستوعب لحظات التحول الكبرى، كثيراً ما تجد نفسها خارج معادلات المستقبل.

ومن هنا فإن المرحلة المقبلة هي امتداد لما سبقها في معركة الاسناد لغزه، وسوف تكون مرحلة تكتب فيها خرائط النفوذ من جديد، وتعاد فيها صياغة قواعد الاشتباك وموازين الردع وفق معطيات ميدانية مختلفة، قد تغير وجه المنطقة لعقود قادمة، وبين إرادة القوة ومنطق السياسة، وبين الحصار والردع، تقف المنطقة على أعتاب فصل جديد من تاريخها، وأن المستقبل لن تصنعه إلا الإرادات القادرة على فرض حضورها في ميدان السياسة كما في ميدان القوة.