أفق نيوز
الخبر بلا حدود

صُنّاع الكرامة: كيف أسقط الوعي اليمني معادلة التجويع والارتهان؟

61

أفق نيوز| شاهر أحمد عمير

تتجاوز الصراعات الكبرى في تاريخ الشعوب الحرة حدود المواجهات العسكرية المباشرة لتبلغ عمق المعركة الثقافية والفكرية التي تستهدف النواة الصُّلبة للأمم؛ والمتمثلة في هُويتها، ووعي أبنائها، وتمسكها بقيم الحرية والاستقلال.

ويقدم المشهد اليمني نموذجاً استثنائياً في إدارة صراع مصيري يخوضه الشعب ضد التحديات الناجمة عن العدوان والحصار الممتدين لسنوات من قبل التحالف السعودي والإماراتي والأمريكي.

ويكشف التدقيق العميق في مسار التحولات الميدانية والسياسية أن ما تعرض له اليمن تجاوز استهداف البنية التحتية أو المقدرات الاقتصادية، ليشكل محاولة ممنهجة لإحداث تجريف فكري ومعنوي يهدف إلى إفراغ المجتمع من ثوابته الوطنية والدينية، وتجريده من عوامل قوته الذاتية، ليصبح في حالة من التبعية والانكشاف المباشر أمام المشاريع الأجنبية.

لقد ارتكزت استراتيجيات الحرب الحديثة في اليمن على استخدام الأزمات المعيشية كأداة ضغط سياسي واجتماعي، من خلال فرض معادلة تخييرية بين القبول بالحصار والفقر، أو الانخراط في أجندات القوى الخارجية وتسهيل مهامها.

هذه المعادلة التي اعتمدت السياسات العقابية الشاملة وسيلة لإخضاع المجتمع، راهنت على أن الضغط الاقتصادي المتواصل وتدهور الخدمات كفيلان بإيصال الشارع إلى حالة من اليأس وتفضيل المكاسب المادية المباشرة على حساب السيادة الوطنية.

غير أن الواقع أثبت أن الراهن على انكسار الشعوب ذات الامتداد الحضاري والفكري العميق غالباً ما يفشل أمام قدرة المجتمعات على استدعاء مخزونها القيم الأخلاقي، حيث تحول الحصار والتجويع من أداة لإحداث الانقسام الداخلي إلى دافع لإعادة الاكتفاء الذاتي وتعزيز خيارات الصمود.

إن الخيار الرافض لممارسات الحصار والتجويع تجلى في القرارات الصارمة التي أعلنتها القوات المسلحة اليمنية بفرض حظر على الملاحة البحرية المرتبطة بقوى العدوان والجهات الداعمة لها، كخطوة ضاغطة لرفع الحصار الشامل وفك الخناق عن مطار صنعاء الدولي والموانئ البحرية كافة.

وفي الوقت الذي عانت فيه بعض المناطق من تبعات الانقسام والتأثيرات المباشرة للسياسات الخارجية التي عملت على تفكيك نسيجها الاجتماعي وإضعاف مؤسساتها، برزت في المقابل التجربة المعبرة عن خيار المواجهة والرفض المطلق لكل أشكال التبعية والهيمنة.

لقد شكَّلت إعادةَ رسم أبعاد الهُوية الوطنية وفق المبادئ المرتكزة على المرجعية القرآنية والثقافية الأصيلة نقطة تحول جوهرية في بناء الوعي الجمعي، حيث جرى الانتقال من حالة الدفاع والانتظار إلى استراتيجية الصمود الفعال وتأطير المجتمع ضمن رؤية جامعة تعزز قيم العزة والكرامة والاستقلال.

وتبرز في هذا الممرُّ المحوري القيادة الحكيمة للمسيرة القرآنية التي عملت على توجيه الطاقات الشعبية ونقل المجتمع من حالة الشتات السياسي إلى حالة التماسك الثقافي والديني والعسكري، مما أتاح فرصةً تاريخيةً لبناء جيل يمتلك حصانة فكرية تؤهله لمقاومة اختراقات الغزو الفكري والسياسي.

إن صيانة الهوية الإيمانية ومواجهة محاولات الطمس والاستلاب لا تتأتى إلا من خلال بناء منهج وعي ثقافي قرآني متكامل يعيد وصل الإنسان بجذوره وأصوله، وهو ما تجلى في حركة التحول الثقافي والاجتماعي التي شهدتها المبادرات المجتمعية والمؤسسية خلال سنوات الصمود.

ولم تعد القضية متعلقة فقط بالثبات العسكري في جبهات القتال، وإنما امتدت لتصبح معركة بناء إنسان يمتلك الوعي الكافي لمعرفة أعدائه وتشخيص المخططات التي تستهدف مقدراته ومستقبل أبنائه.

إن تسليط الضوء على خطورة التنازلات السياسية والثقافية التي قدمتها بعض الأطراف ارتهاناً للخارج يوضح الفرق بين مسارين: مسار يعتمد الحسابات الضيقة والمصالح الفردية المؤقتة، ومسار يتأسس على التضحية بالراحة والمكاسب المادية من أجل الحفاظ على السيادة الوطنية وبناء مستقبل حر ومستقل.

إن تجربة السنوات الماضية تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن النصر في المعارك المصيرية لا يقاس فقط بالسيطرة الميدانية أو التفوق في العتاد والتكنولوجيا، وإنما يقاس أولاً وقبل كل شيء بمدى قدرة الشعوب على حماية روحها المعنوية وثوابتها الفكرية، والالتفاف الصادق حول قائد الثورة السيد عبد الملك بن بدر الدين الحوثي (حفظه الله)، الذي أطلق صرخة الحق في وجه الظلم والطغيان ومواجهة التحديات التي تعصف بالأمة الإسلامية في زمن آثرت فيه معظم الأنظمة الصمت والرضوخ للهيمنة.

وفي هذا الإطار، يظل الرهان الحقيقي قائماً على استمرار هذا المسار الثقافي والتربوي الذي يبني أجيالاً غير قابلة للمساومة، مؤمنة بحقها الثابت في الحرية والاستقلال، وقادرة على إسقاط كافّة القراءات والرهانات التي حاولت فرض الاستسلام كقدر محتوم على هذا الشعب العظيم.