أفق نيوز
الخبر بلا حدود

من الهدى إلى القوة .. معادلة الشهيد القائد لأمة لا تقهر

24

أفق نيوز| أعده للنشر| طارق الحمامي

تمثّل مسألة بناء الوعي الجمعي وترسيخ وحدة المجتمع إحدى القضايا المصيرية في واقع الأمة العربية والإسلامية، لا سيما في ظل ما تتعرض له من تفكيك فكري، واستهداف على كافة المستويات، وفي خضم هذا الواقع المأزوم، تبرز رؤية الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه الفكرية والتربوية المتكاملة، من الهدى القرآني لبناء إنسان واعٍ، ومجتمع متماسك، وقوة داخلية عصيّة على القهر أو الاختراق،هذه الرؤية تقدّم تشخيصاً عميقاً لأزمة الإنسان المسلم، وتطرح مساراً عملياً لإعادة بناء الوعي، وتصحيح البوصلة، واستعادة القدرة على الفعل الحضاري والمقاومة.

بناء الوعي القرآني المنهجي 
ينطلق الشهيد القائد من حقيقة أساسية مفادها أن الوعي الصحيح لا ينشأ تلقائياً لدى المجتمعات، ولا يتكوّن بمجرد التفاعل اليومي مع الأحداث، ففهم طبيعة الصراع، والتمييز بين العدو والصديق، وإدراك عواقب المواقف، كلها عمليات عقلية وتربوية تحتاج إلى بناء متدرّج وفق المنهج القرآني، ويحذّر من وهم شائع يفترض أن الجماهير قادرة بذاتها على إنتاج وعي يحصّنها من التضليل الإعلامي أو الانحراف الفكري، مؤكداً أن غياب التوجيه الواعي يجعل المجتمعات رهينة الانفعالات، وسوء التقدير، وردود الفعل المتأخرة، وشواهد الواقع العربي تؤكد ذلك، فكم من شعوب جرى تضليلها تحت عناوين براقة مثل السلام أو الاستقرار أو مكافحة الإرهاب، بينما كانت تُساق عملياً إلى التنازل عن سيادتها، أو تبرير وجود المحتل، أو القبول بالهيمنة الأجنبية.

 الدين منظومة الهدى والبناء 
يقدّم الشهيد القائد فهماً شاملاً للدين وفق المنهج القرآني، يتجاوز حصره في الإطار الشعائري الضيق، ليؤكد أنه منظومة هدى تصحّح الرؤية والموقف، مشروع تزكية يبني النفس ويحرّرها من الخوف والأنانية ، ومصدر لصناعة الوعي والبصيرة، وإطار قيمي يضبط حركة الفرد والمجتمع، فالدين لا يصنع متعبداً منقطعاً عن قضايا أمته، بل إنساناً واعياً، مسؤولاً، مدركاً لمعادلات الصراع، ومتحركاً في الواقع على أساس الهداية القرآنية، وفي المقابل، تكشف التجربة العربية أن إقصاء الدين عن دوره التربوي، أو تحويله إلى طقوس منفصلة عن قضايا الأمة، أسهم في تفريغ المجتمعات من روح المسؤولية، وجعلها أكثر قابلية للهيمنة والاستلاب.

الطريق إلى تصحيح الوعي الجمعي
يشدّد الشهيد القائد على أن إصلاح الوعي لا يتحقق عبر جهود فردية متفرقة، بل من خلال عمل منظّم ومستدام، يقوم على، مؤسسات تعليمية وتربوية واعية، وعلماء ومرشدين يحملون همّ الأمة، وحضور ديني مسؤول داخل المجتمع، هذا العمل المنظّم يهدف إلى نقل المجتمع من حالة التشتت المعرفي إلى حالة الفهم المشترك، ومن ردود الفعل إلى الفعل الواعي.
وتُظهر التجارب العربية أن غياب هذا العمل ترك فراغاً فكرياً هائلاً، ملأته قوى خارجية عبر الإعلام، أو النخب المرتبطة بها، فشوّهت المفاهيم، وبدّلت الأولويات، وأعادت تعريف العدو والصديق.

من الوعي إلى التعاون ووحدة الكلمة
حين يتشكّل الوعي الديني الصحيح، تنعكس آثاره مباشرة على العلاقات داخل المجتمع، فينشأ، صدق أعلى في التعامل، وإحساس عال بالمسؤولية المشتركة، واستعداد للتعاون والتضحية، وتراجع النزاعات الثانوية أمام القضايا الكبرى، وحدة الكلمة، في فكر الشهيد القائد، ليست شعاراً سياسياً ظرفياً، بل ثمرة طبيعية لوحدة الرؤية والقيم، تجعل الخلافات الجزئية غير قادرة على تفكيك الصف أو تعطيل المواجهة مع العدو.

 

 شواهد من الواقع العربي .. حين يُستباح المكان بسقوط الوعي
تؤكد التجربة العربية، من فلسطين إلى العراق، ومن سوريا وليبيا إلى اليمن، أن استباحة الأرض لم تكن في الغالب نتيجة تفوق عسكري مطلق للعدو، بل نتيجة لانهيار داخلي سبق الاحتلال ومهّد له، ففي فلسطين، مهّد الانقسام وغياب وحدة الكلمة لتكريس بطش الاحتلال وتطبيع وجوده، وفي العراق، سبقت الفوضى الفكرية والطائفية الغزو العسكري، فانهار القرار الوطني، وفي ليبيا وسوريا، تحوّل الصراع الداخلي إلى صراع دموي نتج عنه دخول العدو الصهيوأمريكي ليكون حكَماً وسيداً، وفي أكثر من ساحة عربية، جرى تحويل العدو الحقيقي إلى شريك وصديق، والمقاومة إلى عدو.
هذه النماذج تؤكد أن غياب الإيمان وسقوط الوعي، وتفكك التعاون، وغياب وحدة الكلمة، هي الممر الإجباري لاستباحة الأرض والسيادة.

 

 معادلة القوة وعدم القهر في فكر الشهيد القائد
يصل الشهيد القائد إلى خلاصة حاسمة مفادها أن المجتمع الذي يمتلك، هدى إلهياً ، ووعياً صحيحاً ، وتعاوناً صادقاً، ووحدة كلمة
إخلاصاً لله وخشية منه، هو مجتمع لا يمكن قهره أو تضليله، مهما كانت قوة الخصم، فالقوة الحقيقية تبدأ من الداخل، من العقل والنفس، قبل أن تظهر في الميدان.

ختاماً
يقدّم الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه رؤية متكاملة لإعادة بناء الإنسان والمجتمع، يجعل من الوعي القرآني ووحدة الكلمة أساساً لحماية الأرض وصون الكرامة،  وما تشهده الساحة العربية من نكبات وانكسارات ليس إلا دليلاً عملياً على خطورة التفريط بهذه الأسس، وعلى أن معركة التحرر تبدأ في الوعي أولاً، قبل أن تُخاض على الأرض.

يمانيون