أفق نيوز
الخبر بلا حدود

السجون السرية في المحافظات الجنوبية.. جرائم مشتركة وصراع مكشوف بين السعودية والإمارات

31

أفق نيوز| تقرير|
لم يعد الخلاف بين السعودية والإمارات مجرد تباين في الرؤى أو اختلاف في إدارة الملفات، بل تحوّل إلى صراع مكشوف تتساقط فيه الأقنعة تباعاً، وتُفتح فيه الملفات التي ظلت لسنوات حبيسة الغرف المغلقة.

ما كان يُهمس به بعيداً عن الكاميرات، أصبح اليوم يُعرض على الهواء مباشرة: سجون سرية، متفجرات، صواعق، وأماكن دفن للحقائق في عمق الأرض، قبل أن تُدفن أجساد الضحايا في عمق الصمت.

المشاهد التي كُشف عنها في محيط مطار الريان بحضرموت، بما تحويه من سجون تحت الأرض بعمق يصل إلى خمسة عشر متراً، وأماكن يُشتبه باستخدامها لتخزين المتفجرات والألغام، ليست حادثة معزولة، بل حلقة من سلسلة طويلة من الجرائم التي ارتكبها شركاء العدوان بحق اليمنيين، كلٌّ بأسلوبه، لكن بالعقلية الإجرامية ذاتها.

سجون الإمارات… الوجه المعروف للجريمة

من بير أحمد في عدن، إلى مطار الريان في المكلا، إلى شبكات الاعتقال السرية المنتشرة في الجنوب، رسخت الإمارات نموذجاً مرعباً لإدارة الاحتلال عبر السجون السرية والتعذيب والإخفاء القسري.

هذه السجون لم تكن خافية على أحد؛ تقارير دولية، شهادات ضحايا، وتحقيقات حقوقية، كلها وثّقت حجم الانتهاكات التي مورست داخلها.

لكن الأخطر من السجون ذاتها هو السياق الذي أُنشئت فيه: مشروع سيطرة شامل، لا يكتفي بالاحتلال العسكري، بل يسعى لتفكيك المجتمع، وكسر إرادته، وتحييد أي قوة حية يمكن أن تشكل خطراً على النفوذ الإماراتي في الجنوب والسواحل والجزر.

لم تكن السجون أداة أمنية فقط، بل وسيلة لإدارة المجتمع بالقوة والخوف، وتحويل الجغرافيا إلى مساحة صامتة، خالية من أي صوت معارض، مهما كان مدنياً أو حقوقياً أو سياسياً.

السعودية… الشريك الصامت الذي تلطخت يداه

محاولة السعودية الظهور بمظهر “الواعظ” لا تصمد أمام سجلها الأسود في اليمن.

فإلى جانب القصف والحصار والتجويع، تدير قواتها ومخابراتها سجوناً ومراكز احتجاز في المهرة وسيئون، إضافة إلى مراكز داخل حدودها للمجندين والمعارضين اليمنيين.

هذه السجون تُدار بالعقلية الاستخباراتية ذاتها: اعتقال دون تهمة، تحقيقات سرية، تعذيب نفسي وجسدي، وحرمان من الحقوق الأساسية.

الفرق الوحيد أن الإمارات اشتهرت إعلامياً بسجونها، بينما فضلت السعودية العمل في الظل، مكتفية بحماية شريكها حيناً، وباستثمار جرائمه حين تتغير موازين المصالح.

الصمت السعودي الطويل لم يكن جهلاً بما يجري، بل شراكة كاملة في التخطيط والتغطية والتمويل، ما يجعل أي حديث لاحق عن “السيادة” و”الانتهاكات” مجرد نفاق سياسي فج.

انقلاب الخطاب… من التواطؤ إلى الفضيحة

الأكثر إثارة للسخرية هو خروج وزير إعلام المرتزقة فجأة للحديث عن سيادة اليمن وانتهاكات الإمارات.

هذا الصوت الذي صمت عقداً كاملاً عن مذابح عدن والمكلا، وعن السجون السرية والتعذيب والإخفاء القسري، لم ينطق اليوم حباً في الضحايا، ولا غيرة على السيادة، بل لأن المشغّل السعودي قرر تغيير قواعد اللعبة.

صمته السابق كان ثمناً لإقامته في الرياض، ونطقه الحالي تنفيذ لتوجيهات سياسية جديدة.

فحين كانت السجون الإماراتية تخدم الهدف المشترك المتمثل في تركيع القوى الحية في اليمن، كانت السعودية تغض الطرف وتمنح الغطاء.

وحين بدأ الصراع على النفوذ والمكاسب، تحوّلت الجرائم ذاتها إلى أوراق ضغط وتشهير.

حرب مصالح فوق جثث الضحايا

ما يجري اليوم في الجنوب والشرق ليس دفاعاً عن اليمن ولا عن كرامة أبنائه، بل تصفية حسابات بين شركاء الجريمة.

صراع على الموانئ، والمطارات، والجزر، والثروات، تُدار فصوله فوق جثث الضحايا، وفي ظل معاناة شعب دفع أثماناً لا تُحصى من دمه وأمنه وكرامته.

السجون السرية، الألغام، المتفجرات، الاغتيالات، الاغتصابات، والإخفاء القسري، كلها ليست أدوات استثنائية، بل جزء من منهج واحد لشركاء العدوان، مهما اختلفت أسماؤهم أو تبدلت تحالفاتهم.

السجون كورقة سياسية

لم تعد السجون السرية ملفاً حقوقياً فقط، بل تحولت إلى ورقة سياسية في صراع النفوذ. من كان يتغاضى عنها بالأمس، بات يلوّح بها اليوم.

ومن كان ينكر وجودها، صار يعترف بها حين تخدم أجندته.

هذه الازدواجية تكشف أن معاناة الضحايا ليست أولوية لأي من أطراف العدوان، بل مجرد أداة في لعبة أكبر، تُستخدم حين تنفع، وتُهمَل حين لا تخدم المصالح.

وحدة المنهج رغم اختلاف الأسماء

الحقيقة الواضحة أن نهج شركاء الجريمة في اليمن واحد وإن اختلفت الأسماء. الإمارات والسعودية ومرتزقتهما، جميعهم تحركوا بالعقلية ذاتها: قمع، تفكيك، إذلال، وسيطرة بالقوة.

الاختلاف بينهم ليس أخلاقياً ولا إنسانياً، بل سياسي ومصلحي. وحين تتعارض المصالح، يبدأ تبادل الاتهامات، وتنكشف بعض الأسرار، لا حباً في الحقيقة، بل رغبة في إضعاف الشريك السابق.

الجرائم لا تسقط بالتقادم

سقوط الأقنعة اليوم لا يعني نهاية الجريمة، بل يكشف فقط عن وجهها الحقيقي. ما يحدث ليس صحوة ضمير، بل صراع مصالح.

غير أن الحقيقة الأهم تبقى أن الجرائم المرتكبة بحق الشعب اليمني، من أي طرف كانت، لن تسقط بالتقادم، ولن تضيع في زحمة الاتهامات المتبادلة بين مرتكبيها.

قد يتخاصم الشركاء، وقد يفضح بعضهم بعضاً حين تتعارض المصالح، لكن دماء اليمنيين، وآهات المعتقلين، وصراخ المعذَّبين في السجون السرية، ستظل الشاهد الأصدق على أن تحالف العدوان، بكل أقطابه، لم يكن يوماً مشروع “تحرير” ولا “دعم شرعية”، بل مشروع احتلال، تقاسم نفوذ، ونهب ثروات، ولو كان الثمن كرامة الإنسان اليمني وحياته.

يمانيون