أفق نيوز
الخبر بلا حدود

القوة والأمانة.. معيار الخلاص من أزمة الإدارة

57

أفق نيوز| عبدالخالق دعبوش

في خضمِّ الحديث المتزايد عن الإصلاح الإداري ومحاربة الفساد، تمتلئ الساحةُ بأدبيات ونماذجَ مستوردة، بينما تغيب العودةُ الجادة إلى الأصول القيمية التي شكّلت مرجعًا راسخًا في بناء المجتمعات.

وفي هذا السياق، استحضرت المحاضرة الرمضانية الثامنة عشرة للسيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، حفظه الله، دلالةً إدارية عميقة من قصة نبي الله موسى عليه السلام مع الشيخ الصالح، مقدّمةً معيارًا موجزًا ومكثّـفا لاختيار الكفاءات: القوة والأمانة.

ليست القصةُ مُجَـرّدَ سردٍ للعبرة، بل نموذجٌ عملي في إدارة الموارد البشرية.

فقول الفتاة لأبيها: «يا أبتِ استأجره، إن خير من استأجرت القوي الأمين» يختصر أسس التوظيف الرشيد ومعايير إسناد المسؤوليات.

 

القوة: كفاءة تُتقِن العمل

لا يُختزَلُ مفهومُ القوة في القدرة الجسدية، بل يتجاوزها إلى الكَفاءة المهنية والقدرة على الإنجاز. فالقوي في موقع العمل هو المتمكّن من تخصصه، القادر على حَـلّ المشكلات، المتقن لمهامه، والمؤهل لتحمّل المسؤولية.

عمليًّا، لا تكفي الأمانة وحدَها إذَا غابت الكفاءة؛ فالموظِّفُ الأمين الذي يفتقرُ للمهارة قد يبدّد الجهد والموارد بحسن نية. وفي المقابل، الكفاءة دون أمانة تفتح أبواب الاستغلال وسوء استخدام السلطة. الخلل يبدأ حين يُفصل أحد المعيارين عن الآخر.

 

الأمانة: مسؤولية تتجاوز النزاهة المالية

الأمانة لا تقتصرُ على حماية المال العام، بل تشملُ صدقَ الأداء واستشعار المسؤولية وتجريد القرار من المصالح الشخصية.

هي الالتزام بجودة العمل، واحترامُ الوقت، وصونُ الصلاحيات، وعدمُ تجاوز الجميع دون إدراك ومعرفة بواقع العمل الذي أنت فيه، بمعنى ألا يخضع العمل للاجتهادات أَو النظرة الشخصية فقط.

الأمانة هي البُوصلة التي توجّـه القوةَ نحو البناء لا الهدم، وتضمن أن تتحول المهارة إلى قيمة مضافة للمؤسّسة والمجتمع.

 

مكمن الخلل المؤسّسي

قراءة واقع عدد من المؤسّسات تكشف اختلالًا في معايير الاختيار؛ فالمحسوبية والعلاقات الضيقة تتقدم أحيانًا على الكفاءة والاستحقاق، ما يضعف الأداء ويُهدر الموارد ويقوّض الثقة.

إسناد المناصب لغير المؤهلين، أَو التغاضي عن ضَعف النزاهة، ينعكسُ مباشرةً على جودة الخدمات وفاعلية القرارات.

ولذا فإن اعتمادَ معيار القوة والأمانة ينعكسُ على الأداء المؤسّسي بصورة مباشرة: إدارة أكثر كفاءة، إنفاق أكثر انضباطًا، قرارات أكثر مهنية، وخدمات أكثر جودة؛ بمعنى أنه معيار بسيط في صياغته، عميق في أثره.

غير أن أصحاب الكفاءة المقرونة بالتخصص يواجهون أحيانًا مقاومة من قرارات لا تستند إلى معايير، وقد يكون هذا الحضور يعقّد العمل ويطيل الإجراءات؛ لأن حضورهم يضيّق مساحات العبث بالعمل، وقد يعرقل محاولات البناء المؤسّسي غير المدروسة.

في محاضرة السيد القائد، حفظه الله، في قصة نبي الله موسى عليه السلام، يبرز بُعدٌ عملي واضح: الجدارة تُثبت بالفعل قبل المطالبة بالموقع. فقد قدّم موسى عليه السلام نموذجًا في المبادرة وتحمل المسؤولية، فكانت الكفاءة والأمانة مدخلًا للثقة والتكليف.

وبهذا يكون دور الإدارة لا يقتصر على التعيين، بل يمتد إلى اكتشاف المواهب، وتقييم الأداء، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب.

 

المعيار الشامل للحياة العامة

لا يقتصر هذا المبدأ على الوظائف العامة، بل يمتد إلى الشراكات الخَاصَّة، والعمل الأهلي، وحتى الاختيارات الأسرية؛ فسلامة الاختيار ترتبط دائمًا باجتماع القدرة مع النزاهة.

في النهاية.. القوة والأمانة ليست شعارًا أخلاقيًّا فقط، بل قاعدة عملية للإدارة الرشيدة وبناء المؤسّسات الفاعلة.

وإعادة الاعتبار لهذا المعيار تمثل خطوة أَسَاسية لمعالجة الاختلالات الإدارية والمالية، وتحويل القيم إلى سياسات، والنصوص إلى ممارسات.