أفق نيوز
الخبر بلا حدود

من التيسير إلى التحرير.. المسيرة القرآنية من جيل التأسيس العلمي إلى جبهات مواجهة الصهيونية

41

أفق نيوز| حسين محمد المهدي

{إِنَّ هَذَا القرآن يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا}

​لقد أنزل الله القرآن على خاتم أنبيائه ورسله محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- ليكون منهج حياة، ودستورًا للمسلمين، ففيه صلاحهم، وفلاحهم، ونجاحهم، وبيان لكل ما يحتاجونه من أمور الدنيا والدين؛ عقائد، وأخلاق، وعبادات، ومعاملات.

وفيه الدواء الناجع، والشفاء النافع، لكل عللهم ومشاكلهم، وأمراضهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية… إلخ: {وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا}، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}.

​ففي اتباعه الهداية والفلاح، والاستقامة والصلاح، وفي الإعراض عنه الشقاء، والبلاء والهلكة والخُسران.

وبه مخرج الأُمَّــة من أزماتها، ونجاتها من الفتن والأهوال.

وعن ذلك يقول الإمام علي -عليه السلام- لرسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: “قلت: يا رسول الله ستكون فتن فما المخرج منها؟ قال -صلى الله عليه وآله وسلم-: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم”.

​مدح العلماءُ القرآنَ بعد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فأكثروا في ذلك وأجادوا، ونختار قبسًا مما قاله الإمام الأوّاه الحليم القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- وهو كلام عظيم في مديح القرآن، حَيثُ وصف كتاب الله بقوله: (نور أعين القلوب المبصرة، وحياة ألباب النفوس المطهرة، ألف فكر كُـلّ حكيم، وسكن نفس كُـلّ كريم، وقصص الأنباء الصادقة، ونبأ الأمثال المتحقّقة، ويقين شكوك حيرة أولي الألباب، وخير ما صُحِب من الأصحاب، سر أسرار الحكمة، ومفتاح كُـلّ نجاة ورحمة، قول أرحم الراحمين، وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، فأيُّ منزل سبحانه ونازل وتنزيل…

سماوي أحله الله برحمته أرضه، وأحكم به في العباد فرضه، فلا يُوصَل إلى الخيرات أبدًا إلا به، ولا تُكشَف الظلمات إلا بثواقب شهبه، من صحبه صحب سماويًّا لا يجهل، وهاديًا إلى كُـلّ خير لا يضل، ومؤنسًا لقرنائه لا يُملّ، وسليمًا لمن صحبه لا يغل، ونصيحًا لمن ناصحه لا يغش، وأنيسًا لمن آنسه لا يوحش…

يأمر بالبر والتقوى، وينهى عن المنكر والأسوأ، لا يكذب أبدًا حديثًا، ولا يخذل من أوليائه مستغيثًا، إن وعد وعدًا أنجزه، أَو تعزز به أحد أعزه).

​نزل القرآن بلغة العرب؛ ليتدبروا آياته، ويعملوا بأحكامه، ويغترفوا من معانيه ما يوصلهم إلى الفهم لأحكامه، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ}، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أم الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ}.

​ولما كان القرآن بحاجة إلى التفسير والبيان، فقد كان الرسول -صلى الله عليه وآله- يكشف بالبيان ذلك، قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}.

فكان هناك فريق من أصحاب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قد علمهم النبي بيان معانيه واستخراج بيانه، وبيان محكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه، وخاصه وعامه، ومطلقه ومقيده، وحلاله وحرامه، ووعده ووعيده، وما اشتمل عليه من قصص وعبر وأمثال وحكم، وكان من هؤلاء وأعلمهم وأكثرهم إلمامًا بكتاب الله، وأقضاهم في الأحكام الإمام علي -عليه السلام-؛ لكثرة مرافقته رسول الله -صلى الله عليه وآله- وتعلمه منه وسكناه معه، وزواجه من ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها، بالإضافة إلى ما حباه الله من الفطرة السليمة، والفهم الصحيح، كُـلّ ذلك أورثه العلم الغزير.

وأُثِر عن عائشة -رضي الله عنها-: (أما إنه لَأعلمُ الناس بالسُّنة).

وروى معمر عن وهب بن عبد الله عن أبي الطفيل، قال: (شهدت عليًّا يخطب وهو يقول: سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به، وسلوني عن كتاب الله فوالله ما من آية إلا أنا أعلم: أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل).

وقيل لعطاء: أكان في أصحاب محمد أعلم من علي؟ قال: لا، واللهِ لا أعلمه.

وقال ابن مسعود: (إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، ما منها حرف إلا وله ظهر وبطن، وإن علي بن أبي طالب عنده من الظاهر والباطن).

وغيرهم ممن ذكرهم السيوطي في كتابه “الإتقان في علوم القرآن”، ومن تلاميذه عبد الله بن عباس وغيره.

​ولقرناء القرآن من آل بيت النبوة ممن حازوا قصب السبق في ذلك ما لا يتسع المقام لذكرهم، ونشير إلى أشهر من كان منهم في يمن الإيمان الإمام الهادي يحيى بن الحسين في تفسيره الذي التزم منهج أهل البيت -عليهم السلام-، وكذلك من أبناء يمن الإيمان والحكمة العلامة الحجّـة محمد بن عبد الله الغشم في تفسيره وغيرهم.

ولم يكن هذا الإرث العلمي لقرناء القرآن يومًا حبيس الأدراج أَو مُجَـرّد ترف فكري، وإنما كان على مر التاريخ منهجًا حركيًّا دافعًا للعمل والجهاد، ومحركًا للأُمَّـة في مواجهة الطغيان؛ إذ إن الفهم الحقيقي لأحكام الذكر الحكيم يفرض على العلماء قيادة الأُمَّــة وتوجيهها نحو العزة والكرامة.

ومن هذا النبع الصافي، تمر بنا ذكرى وفاة فقيد القرآن، إمام المفسرين في عصره، مؤسّس مدرسة المسيرة القرآنية ومؤلف كتاب “التيسير في التفسير” للقرآن العظيم، الذي تفضّل بإهدائه إلينا العلامةُ العَلَمُ قائدُ المسيرة القرآنية السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي قبل بضع سنين، فوجدناه فريدًا في بابه، لم نرَ شبيهًا له في تأليف العلماء المعاصرين؛ فقد كشف عن معانٍ جليلة، وفوائد عظيمة، اعتمد فيها على تفسير القرآن بالقرآن، تجلت فيها فصاحة كتاب الله وبلاغته، وجمال وصفه وكثير محاسنه، التي تكشف عن بيان استقلاله، وإفهام معانيه، وإلمامه بما اشتمل عليه الذكر الحكيم من الأحكام، ويبين عن غوصه في معاني الآيات القرآنية بأبحاث توضح أحكام القرآن وحِكَمَه، وحينما يكون هناك خلاف يناقشه بحكمة على نحو يجذب القارئ ولا ينفره، وعند قراءتي واطلاعي على جل ما فيه كتبت على رادفة الجزء الأول:

​للهِ بَدْرُ الـدِّينِ جُـودُكَ بِالَّذِي… ظَفِرَتْ بِهِ يَدَاكَ زَكِيًّا مُبْصِرَا

عَيْنٌ مِنَ القرآن فَاضَ نَمِيرُهَا… وَحَيًّا مِنَ الفُصْحَى جَرَى فَوْقَ الثَّرَى

لَا وَالَّذِي وَكَلَ البَيَانَ إِلَيْكَ لَمْ… يَأْتِ سِوَاكَ بِمِثْلِهِ فِيمَا نَرَى

نَبَأٌ مِنَ التَّفْسِيرِ مِنْ مُتَأَمِّلٍ… أُوتِيتَهُ بِالنُّورِ وجها مُسْفِرَا

قَدْ جَاءَ فِي التَّيْسِيرِ تَفْسِيرُ الَّذِي… تَسْمُو بِهِ فِي العَالَمِينَ وَتُؤْجَرَا

​وحينما سنحت الفرصة في هذا العام لتصفح ما أردناه مما أودعه في التفسير السيد العلامة بدر الدين بن أمير الدين الحوثي -رفع الله شأنه وأعلى مكانه- من العلوم النافعة، التي تدل على محاسن القرآن، وعظيم إعجازه، وكثير نفعه، مما يكشف عن رغبة المؤلف في جمع كلمة الأُمَّــة، وإصلاح شؤونها، ويرشد إلى إشعال فتيل التنافس العلمي بين أبنائها، بما يتحقّق به إصلاح جميع شؤونها، فكان ما ضمه كتاب التيسير آية يتجسد فيها إحياء القرآن لأرواح المؤمنين، وصدق الله العظيم، حَيثُ يقول: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.

​أَحْيَيْتَ بِالتَّفْسِيرِ نُورَ كِتَابِهِ… فَغَدَا البَيَانُ عَلَى يَدَيْكَ مُعَطَّرَا

فَسَبَكْتَ مِنْ نَبْعِ الهُدَى آيَاتِهِ… عَذْبًا يَفِيضُ عَلَى القُلُوبِ مُطَهَّرَا

فَكَأَنَّمَا «التَّيْسِيرُ» رَوْضٌ نَاضِرٌ… نَثَرْتَ بِهِ الدُّرَّ الثَّمِينَ وَجَوْهَرَا

فَكَشَفْتَ أَسْرَارَ الكِتَابِ بِحِكْمَةٍ… فَبَدَا جَلَالُ الحَقِّ أَبْهَى مَظْهَرَا

وَغَدَوْتَ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ الَّذِي… أَعْيَا الأَنَامَ إِمَامَهُ المُتَبَحِّرَا

مَا زِلْتَ تَفْتَحُ لِلْهُدَى أبوابهُ… وَتَرُدُّ عَنْهُ الشَّكَّ أَنْ يَتَسَتَّرَا

فَإِذَا قَرَأْنَا مَا سَطَرْتَ رَأَيْتَنَا… نَزْدَادُ إِيمَانًا وَنُورًا أَزْهَرَا

وجَمَعْتَ بَيْنَ جَزَالَةٍ وَبَلَاغَةٍ… فَجَعَلْتَ لَفْظَ الحَقِّ سَهْلًا مُيَسَّرَا

أَوْدَعْتَ «بِالتَّيْسِيرِ» عِلْمًا زَاخِرًا… يَبْقَى عَلَى مَرِّ الزَّمَانِ مُعَطَّرَا

نَالَ الأَنَامُ بِهِ كُنُوزَ هِدَايَةٍ… وَاسْتَبْصَرُوا نَهْجَ الرَّشَادِ الأَنْوَرَا

فَجَزَاكَ رَبُّ العَرْشِ خَيْرَ مَثُوبَةٍ… وَأَدَامَ ذِكْرَكَ فِي الوَرَى مُتَعَطَّرَا

​لقد انطلقت الرؤية السياسية والجهادية للفقيد الراحل من عمق تدبره لآيات الكتاب العزيز؛ إذ آمن بأن تشخيص الداء الذي يعاني منه واقع الأُمَّــة، والشفاء الناجع لمشاكلها، يكمن في العودة الصادقة إلى القرآن لمواجهة قوى الاستكبار العالمي والمشروع الصهيوني الذي يستهدف مقدسات المسلمين ووجودهم.

وانطلاقا من هذه الرؤية القرآنية العظيمة التي تحيل العلم إلى موقف والآيات إلى جهاد، ترك الفقيد ثروة علمية هائلة، وكان الواضع الأول في هذا العصر المؤسّس لحركة الجهاد؛ مِن أجلِ إنقاذ الشعب الفلسطيني وتحرير القدس الشريف، فالتف حوله نخبة من أبناء يمن الإيمان والحكمة تقودهم المسيرة القرآنية بقيادة شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي، ثم بقيادة نجله الخطير السيد العلم القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي -حفظه الله-، الأمر الذي أنار الدرب في قتال الصهيونية التي جثمت على فلسطين وقتلت عشرات الآلاف من النساء والأطفال، ولكن أشبال اليمن ممن حملوا راية الجهاد وارتشفوا من معين العلم والحكمة التي أرشد إليها الفقيد -يرحمه الله- سيحرّرون فلسطين مع اخوتهم في محور المقاومة حزب الله في لبنان والعراق وإيران، وسيسعون بإذن الله إلى نشر الإسلام والعمل على توحيد هذه الأُمَّــة تحت راية القرآن.

​أَسَّسْتَ لِلْأجيال صَرْحًا شَامخًا… فَغَدَا الشَبَابُ بفضله متحرّرا

يَحْمُونَ لِلدِّينِ الْحَنِيفِ مَكَانَهُ… وَيُشَيِّدُونَ لِعِلْمِ نَهْضَتِنَا ذُرَى

رَفَعُوا لِوَاءَ الْحَقِّ ضِدَّ مَظَالِمٍ… وَأَبَوْا خُضُوعًا لِلصَّهَايِنِ مُجْبَرَا

فَهُمْ لِفِلَسْطِينَ الأَبِيَّةِ قُدوة… تَسْعَى لِتَحْرِيرِ الْقُدْسِ حَتَّى تُنْصَرَا

إن مشروع إحياء الأُمَّــة بالقرآن، وبناء للإنسان المؤمن الواعي، القادر على مواجهة التحديات والدفاع عن المقدسات.

هي التي دفعت أنصار الله وحزبه للوقوف في وجه الصهيونية، ومن هنا ندرك أن الوفاء لهذا الإرث لا يكون بمُجَـرّد الثناء عليه، وإنما بحمل رسالته، وتعميق الوعي القرآني، ومواصلة السعي لتحرير الإنسان والأرض والمقدسات من كُـلّ أشكال الهيمنة والاحتلال والسعي في الواقع العملي إلى النهوض بالأمة في مختلف المجالات النافعة.

​رحم الله الفقيد الذي سعى لرفع راية الجهاد والاجتهاد، وترك لمجتمعه وبلده آثارًا حميدة نبهت المجتمع وأيقظته من الغفلة، وجعلته يسعى للانتصار للشعب الأبي المظلوم في فلسطين: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}

* عضو رابطة علماء اليمن