أفق نيوز
الخبر بلا حدود

الصراع الأخلاقي: القرآن في مواجهة الانحراف

36

أفق نيوز| بشير ربيع الصانع|

في كُـلّ مرحلة تاريخية كاشفة، تتساقط الأقنعة دون عناء، وتتكشف البنى العميقة للصراع الدائر في هذا العالم.

وما عُرف بفضائح “إبستين” ما هي إلا نافذة فاضحة على منظومة قيمية كاملة، تُدار من خلف ستار “التحضر” و”الحرية”، بينما هي في جوهرها مشروع منظّم لتدمير الإنسان من الداخل، وإسقاطه أخلاقيًّا قبل إخضاعه سياسيًّا واقتصاديًّا.

وهنا تتضح حقيقة الصراع بوصفه صراعًا قيميًّا وأخلاقيًّا قبل أن يكون صراع نفوذ أَو مصالح؛ صراع بين من يحملون مشروع الحفاظ على الفطرة الإنسانية وكرامتها، وبين منظومة تقوم على الانحراف والفسوق والمسخ الأخلاقي والظلم.

 

الحضارة الغربية وتلويث الفطرة

لقد تَكشّفت أمام العالم ملامح حضارةٍ تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان، بينما تمارس في الخفاء أبشع أشكال امتهان الإنسان، حضارةٍ تتغنّى بالحرية، لكنها تعمل بلا هوادة على تلويث الفطرة، وهدم الحواجز الأخلاقية، وإلغاء الفوارق التي جعلها الله سُننًا تحفظ التوازن والكرامة: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أكثر النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

غير أن هذا المشروع لا يريد للفطرة أن تبقى نقية؛ لأن الإنسان إذَا حافظ على فطرته عصيٌّ على التدجين، وَإذَا سقط في شهواته سهل اقتياده.

إنها منظومةٌ تعمل على تسوية الإنسان بالحيوان، لتصبح القيم نسبيّة، والحدود مائعة، والضمير مُعطَّلًا.

وحين تُسقط الأخلاق، يسهل إسقاط القرار: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾.

 

الارتهان السياسي نتاج السقوط القيمي

في واقعنا العربي، تتجلى آثار هذا المشروع بوضوحٍ مؤلم؛ كم من زعيمٍ سقط في مستنقعات الابتزاز الأخلاقي، وكم من قائدٍ جُرِّد من قراره لأنه أُمسك من نقطة ضعفه؟ هكذا تُسلب الإرادَة، وتُدار المصائر، وتتحوّل الشعوب إلى أوراق ضغط: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾.

وتبقى القضية الفلسطينية الشاهد الأصدق على هذا الانحطاط؛ قضيةٌ بيعت بأثمانٍ بخسة، ودُفعت فواتيرها من دماء الأبرياء.

لم يقف الأمر عند حدود السياسة، بل امتدّ إلى المناهج والثقافة، حتى أصبح الاستعمار ثقافيًّا وأخلاقيًّا قبل أن يكون عسكريًا: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾.

المخرج: العودة للثقلين (القرآن والعترة) أمام هذا الطوفان، يبرز السؤال الجوهري: ما المخرج؟ والجواب يبقى واضحًا: لا خلاص إلا بالعودة الصادقة إلى القرآن الكريم: ﴿إِنَّ هَٰذَا القرآن يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.

فالقرآن يعيد تشكيل الإنسان من الداخل، ويحرّر العقل من العبوديات الزائفة.

وليس القرآن منفصلًا عن قدوته العملية، بل اقترن بالعترة الطاهرة، آل بيت النبوة (صلوات الله عليهم)، الذين جسّدوا القيم القرآنية سلوكًا وواقعًا، وكانوا سفن النجاة في زمن الفتن.

فهم الضمانة لفهمٍ نقيّ لا تشوبه أهواء السلاطين ولا تحريف المفسدين: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾.

الخاتمة: إن معركتنا اليوم هي معركة الوعي والضمير، معركة الدفاع عن الإنسان بوصفه قيمةً لا سلعة.

ومن هنا يبدأ الطريق: وعيٌ قرآني، وانتماء أخلاقي، وموقفٌ إنساني صادق، يعيد ترتيب الأولويات، ويضع الإنسان في مكانه الذي أراده الله: عبدًا لله وحده، حرًّا من كُـلّ عبودية سواه.