أفق نيوز
الخبر بلا حدود

زلزال “إبستين” يعيد فتح “الكتاب الأسود” للسياسة الأمريكية

36

أفق نيوز| محسن علي|

بينما تشتعل منصات السوشال العالمية وتنشغل الأوساط السياسية والإعلامية على وجه المعمورة اليوم بمتابعة التسريبات المليونية لوثائق المجرم “جيفري إبستين”، والتي كشفت عن شبكة نفوذ وابتزاز مرتبطة بجهاز الموساد الإسرائيلي تورطت فيها شخصيات ونخب مختلفة سياسية واقتصادية وقيادات عالمية وأمراء وزعماء ورؤساء وملوك من الطراز الأول في الإجرام والوحشية والقذارة ، يعود إلى الواجهة كتاب “أمريكا الكتاب الأسود” لمؤلفه إريك لوران، ليقدم إطاراً تحليلياً صادماً لما يحدث الآن، الكتاب الذي صدر قبل سنوات، يبدو اليوم وكأنه “خريطة طريق” لفهم كيف تدار العمليات القذرة في كواليس القوة الأمريكية، وكيف تتحول النخب من ما يسمى بحماة للديمقراطية “الزائفة” إلى “أمة من الشخصيات الفاعلة” في مسرحية كبرى من مستنقع الفضايح والابتزاز والإجرام والمصالح الشيطانية المتقاطعة بكلما تحمله الكلمة من معنى.

تشريح “الإمبراطورية” من الداخل
في كتابه المثير للجدل “أمريكا الكتاب الأسود”، لا يكتفي الصحفي الاستقصائي الفرنسي إريك لوران بسرد الوقائع، بل يغوص في “الجانب المظلم” للسياسة الأمريكية، مستعرضاً تاريخاً طويلاً من العمليات السرية، والانقلابات، والتحالفات المشبوهة، ومع تجدد انفجار فضيحة إبستين في عام 2026، يكتسب الكتاب أهمية مضاعفة، حيث يربط بين آليات السيطرة التي شرحها لوران وبين الواقع المرير الذي تكشفه الوثائق المسربة.

نخب فوق القانون: “أمة الشخصيات الفاعلة

“يركز لوران في أحد فصول كتابه الأكثر إثارة، “أمة الشخصيات الفاعلة”، على فكرة أن السياسة الأمريكية لم تعد تعبر عن إرادة الشعوب، بل أصبحت مسرحاً تديره نخب تتبادل الأدوار والمصالح، هذا المفهوم يفسر بوضوح كيف استطاع شخص مثل جيفري إبستين بناء “إمبراطورية ابتزاز” ضمت رؤساء، وملوكاً، وعلماء، ورجال أعمال، هذه الفضيحة العالمية التي كان على رأسها فرعون العصر “ترامب” في دولة الفجور التي أطلق عليها الإمام الخميني “الشيطان الأكبر.

الكتاب يوضح أن هذه النخب تعتبر نفسها “فوق المساءلة”، وهو ما يفسر صدمة الشارع الأمريكي اليوم من حجم التواطؤ الذي كشفته وثائق وزارة العدل

صناعة “الوحوش” والعمليات القذرة
تحت عنوان “فرقة موت أميركية الصنع”، يستعرض الكتاب كيف قامت الإدارات الأمريكية المتعاقبة بدعم أنظمة قمعية وتشكيل فرق عمليات سرية لتحقيق مصالح جيوسياسية، وبالربط مع قضية إبستين، نجد أن “الابتزاز الجنسي” والسيطرة على الشخصيات العامة عبر الفضائح ليست سوى أداة أخرى في ترسانة “العمليات القذرة” التي أشار إليها لوران، حيث يتم استخدام نقاط ضعف النخب والقادة لضمان ولائهم أو تحييدهم، تماما كما هو حاصل في البلدان العربية والإسلامية اليوم، عدى دول محور الجهاد والقدس والمقاومة.

 

الانقلاب على ما يسمى “الديمقراطية”
في فصل “الانقلاب الرئاسي على الديمقراطية”، يجادل لوران بأن الديمقراطية الأمريكية تعرضت لعملية “اختطاف” من قبل مجموعات المصالح الكبرى، اليوم، ومع ظهور أسماء كبار الممولين والسياسيين في “قائمة إبستين”، يتضح أن هذا الاختطاف لم يكن سياسياً فحسب، بل كان سقوطا أخلاقياً وبنيوياً مزلزلا للعالم، حيث تم رهن صناع القرار السياسي لشبكات نفوذ سرية لا تخضع لأي رقابة، وبهذا كشفت امريكا وقادتها الى جانب دول الغرب الكافر وجهها القبيح أمام العالم الذي يحكمة شلة من الشواذ والمنحرفين، وتعرت قوانينيه التي خدعت بها الشعوب لسنوات.

 

هوليوود والسياسة .. تحالف التضليل
يتطرق الكتاب أيضاً إلى دور “صناعة النجوم” في تخدير الوعي الجمعي، وكيف يتم استخدام المشاهير كواجهة لتمرير أجندات سياسية، ففضيحة إبستين، التي طالت أسماء لامعة في هوليوود، تؤكد رؤية لوران حول هذا التحالف الوثيق بين “عالم الاستعراض” و”عالم السلطة”، حيث يخدم كل منهما الآخر في بناء هالة من الحصانة الزائفة.

ما بعد “الكتاب الأسود”.. المشروع القرآني كبديل ومعاناة غزة كمرآة

المشروع القرآني: بوصلة أخلاقية في عالم مضطرب
في خضم هذا الانهيار الأخلاقي الذي تكشفه فضائح مثل قضية إبستين، يبرز المشروع القرآني الذي انبثق نوره من اليمن بقيادة حركة انصار الله كبديل إيماني عالمي وحضاري ومنظومة قيمية متكاملة قادرة على تقديم حلول جذرية، فالقرآن الكريم وتعاليم الإسلام الحنيف، بما يحمله من مبادئ العدل والرحمة والكرامة الإنسانية، يقدم إطاراً أخلاقياً صارماً يحرم الاستغلال والابتزاز والفساد، ويدعو إلى بناء مجتمعات تقوم على الحق والإنصاف  والشرف والعفة والابتعاد عن الرذيلة ، والعودة إلى هذه المبادئ حتما هي صمام أمان للإنسانية جمعاء ضد التوحش الرأسمالي والأخلاقي الذي أفرزته “نخب”  وسياسات وقوانين زائفة لا تعترف بحدود أو قيم، بل ويسعى إلى تحرير الإنسان من كل أشكال العبودية إلا لله سبحانه وتعالى.

غزة.. طفولة مستباحة
على خطى “جزيرة إبستين”لا يمكن فصل فضائح مثل قضية إبستين عن سياق أوسع من الاستباحة والتوحش الذي يطال الفئات الأضعف في العالم من قبل العدو الاسرائيلي المجرم، فإذا كانت “جزيرة إبستين” تمثل رمزاً لاستغلال الطفولة والضعف من قبل نخب عالمية فاسدة، فإن طفولة غزة اليوم تستباح أمام مرأى ومسمع العالم, هي نتاج مباشر لذات العقلية الاستعمارية والتوحشية التي لا ترى في الإنسان سوى أداة لتحقيق المصالح، كما إن الأطفال الذين يعيشون تحت القصف والحصار، والذين تُنتهك حقوقهم الأساسية في الحياة والكرامة، هم ضحايا لنظام عالمي يشرعن الظلم والاستغلال، تماماً كما شرعن نظام إبستين استغلال الأطفال والنساء, هذا الربط بين هذه الفضائح ومعاناة غزة ليس مجرد مقارنة، بل هو كشف عن وجه واحد لعملة واحدة: عقلية الاستكبار والاستباحة التي لا تقيم وزناً للقيم الإنسانية أو الأخلاقية, أو الفطرية أيضا.

 

ختاماً 
هل نحن أمام “كتاب أسود” جديد؟إن استعراض “أمريكا الكتاب الأسود” في ظل مستنقع فضائح إبستين ليس مجرد قراءة في كتاب قديم، بل هو محاولة لفهم “النظام” الذي سمح بوجود مثل هذه الفضائح واستمرارها لعقود, وهنا يضعنا إريك لوران أمام حقيقة مرة: أن ما نراه اليوم من تسريبات ليس “انحرافاً” عن النظام، بل هو “جزء أصيل” من آليات عمل القوة في الإمبراطورية الأمريكية.”إن الحكومة التي ترعى قتلة الأبرياء والخارجين على القانون، تصبح هي نفسها مجرمة خارجة على القانون.”.

يمانيون