أفق نيوز
الخبر بلا حدود

رمضان محطة التزكية وصناعة الوعي… من وحي كلمة السيد القائد

31

أفق نيوز| عبدالمؤمن محمد جحاف|

في لقاءٍ حمل عنوان التهيئة النفسية والذهنية لاستقبال شهر رمضان المبارك، قدّم السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي “أيده الله” رؤية شاملة عن شهر رمضان، لا بوصفه موسماً عبادياً عابراً، بل محطةً مفصليةً في صناعة الإنسان، وإعادة تشكيل وعي الأمة، وربطها بمسؤولياتها الكبرى في واقعٍ مضطربٍ تعصف به التحديات.

رمضان… فرصة تصنع الفارق

استهل السيد القائد حديثه بالتأكيد على أن من سمات الشعوب المؤمنة تعظيمها لشهر رمضان، وحرصها على إحيائه إحياءً يليق بقدسيته، باعتباره شهر نزول القرآن، وشهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار. غير أن النظرة المطلوبة ليست نظرة احتفالية شكلية، بل وعيٌ عميق بأن رمضان قادرٌ على أن يصنع فارقاً حقيقياً في واقع النفوس، وما يترتب على ذلك في واقع الحياة.
فالأمة الإسلامية اليوم – في مختلف أقطارها – تعيش وضعيةً مؤسفة، تتكاثر فيها الأزمات، وتتراكم فيها الإخفاقات، ويتسع فيها الشرخ بين الإمكانات المتاحة والواقع المأزوم. وهنا يطرح السيد القائد سؤالاً جوهرياً: أليس في ما منح الله هذه الأمة من هدى وتشريعات ما يغير واقعها إن هي أحسنت التعامل معه؟

أزمة العلاقة بالدين… حين يُفصل الواجب عن أثره

يشخص السيد القائد جوهر الخلل في العلاقة المزاجية التي يتعامل بها البعض مع التعاليم الإلهية، حيث يُحتكم إلى الهوى، وتُقدَّم الثقافات المغلوطة، فيفقد هدى الله أثره العملي في شؤون الحياة والمستقبل. فحين تُفصل الصلاة عن دورها في صناعة الاستقامة، ويُفصل الصيام عن أثره التربوي، ويُشطب الجهاد من قائمة الاهتمامات، تصبح الفرائض طقوساً بلا روح، وواجبات بلا أثر.
ويشير إلى أن الاختلال في التقوى هو سبب خسارة الأمة، وأن هناك نقصاً رهيباً في التربية الإيمانية، سواء على مستوى الأنظمة والحكومات أو في الانطلاقة العملية للمجتمعات. بل إن بعض الأنظمة شطبت مسؤوليات مقدسة من خطابها الديني والإعلامي، كالجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة القسط لدفع الظلم عن الأمة.

الصيام… مدرسة الإرادة والصبر

في هذا السياق، يضع السيد القائد فريضة الصيام في موقعها الحقيقي: مدرسةً تربويةً لصناعة الإنسان. فالصيام ليس امتناعاً عن الطعام والشراب فحسب، بل تزكيةٌ للنفس، وتنقيةٌ من الشوائب، وارتقاءٌ بالروح الإيمانية والخيرية. ومن خلال هذه التزكية يكتسب الإنسان قوة الإرادة، والقدرة على الانضباط، والتحمل، والالتزام العملي بالمسؤوليات الكبرى.
إن من ثمار الصيام الالتزام بأوامر الله ونواهيه، والوقاية من عواقب المخالفة والتفريط، مع يقينٍ راسخٍ بأن مخالفة أوامر الله سببٌ للشقاء في الدنيا والآخرة. ومن هنا تصبح قوة الإرادة المكتسبة في رمضان رصيداً عملياً يعين الإنسان على الاستقامة، ويقيه مخاطر الانزلاق والتفريط.
ويبرز الصبر – أحد أهم مكاسب رمضان – باعتباره أساساً في نجاح الإنسان وتحمله للمسؤوليات، ووسيلةً لتحقيق النتائج العظيمة، سواء على المستوى الفردي أو الجمعي.

القرآن… هدى لكل عصر ومواجهة لكل تحدٍّ

الركيزة الثانية في حديث السيد القائد هي القرآن الكريم، الذي وصفه بأنه نعمة عظيمة، وهدىً لكل عصر وظروف، وليس كتاباً لمرحلةٍ تاريخيةٍ محددة. فالقرآن – في رؤيته – كتاب هداية مرتبط بقيومية الله، يكشف الواقع، ويشخص الانحرافات، ويمنح الإنسان المعايير الصحيحة لاتخاذ القرار.
ومن هنا تأتي الدعوة إلى الإقبال الواعي على تلاوة القرآن، وسماعه، والاهتمام بثقافته وبالبرنامج الرمضاني، والحذر من تضييع أعظم الأوقات. فكلما أقبل الإنسان على الأعمال الصالحة ازداد زكاءً، ومنحه الله مزيداً من الهداية والرعاية والرضا.

ويرى السيد القائد أن حالة نقص الوعي لدى البعض ناتجة عن اعتمادهم على مصادر الأعداء، الذين يمثلون مصدر الضلال، ويشنون حرباً ناعمة تستهدف فصل الأمة عن دينها، وتجريد الإنسان من محتواه الإنساني، في أخطر حرب مضلة عرفها المجتمع البشري.

من التزكية إلى المواجهة… رمضان شهر الجهاد

لا ينفصل البعد التربوي عن البعد العملي في خطاب السيد القائد. فشهر رمضان – تاريخياً – شهد أهم الانتصارات التي امتد أثرها إلى قيام الساعة، ما يجعله في الوعي الإسلامي شهراً للجهاد، وموسماً لتعزيز الارتباط بالمسؤوليات الكبرى، لا موسماً للانسحاب منها.
ويشدد على أن رمضان لا يخرج الأمة عن واجباتها، بل ينبغي أن يزيدها ارتباطاً بها، سواء في ميادين المرابطة، أو التعبئة، أو الإحسان والتكافل، أو الاهتمام بالفقراء والمساكين، أو الاستعداد لليلة القدر منذ بداية الشهر.

واقع الاستباحة… والتحذير من الهزيمة النفسية

في قراءته للواقع الإقليمي، يتحدث السيد القائد عن مخاطر جسيمة تواجه الأمة، تتمثل في محاولات فرض “معادلة الاستباحة” عليها، بحيث تصبح الجرائم المرتكبة بحق شعوبها أمراً واقعاً مقبولاً. ويشير إلى ما يجري في فلسطين ولبنان وسوريا، من قتلٍ وحصارٍ وانتهاكٍ للمقدسات، واستمرار الاعتداءات على المسجد الأقصى، والسعي لضم الضفة الغربية وإنهاء الوجود الفلسطيني، وتشديد الحصار على غزة، وتعذيب الأسرى، وتسليح المستوطنين، والضغط لنزع سلاح قوى المقاومة.
ويرى أن تجاهل هذه المخاطر أو الانفصال عن المسؤوليات تجاهها لا يجدي، بل يفتح الباب لتمكين الأعداء. فالهزيمة النفسية، والخنوع، والتبعية – في تحليله – تعود إلى خلل تربوي ونقص في الوعي والبصيرة.

فضائح الإفساد… ووجه الصهيونية الخفي

وفي سياق حديثه عن سعي الأعداء للإفساد، تطرق السيد القائد إلى ما كشفته الوثائق المرتبطة بقضية المجرم جيفري إبستين، معتبراً أنها فضحت محاضن فساد وانحراف تورطت فيها نخب سياسية غربية، وكشفت ممارسات أخلاقية خطيرة، في إطار شبكة ابتزاز وإفساد. وقدم ذلك باعتباره شاهداً إضافياً – في رؤيته – على طبيعة المشروع المعادي، وسعيه لتخريب القيم الإنسانية.

بين الواقع والواجب… رمضان محطة إنقاذ

في ختام كلمته، يربط السيد القائد بين الحاجة الملحة لمعالجة الواقع التربوي للأمة، وبين اغتنام شهر رمضان كفرصة استثنائية للعودة الواعية إلى هدى الله. فالأمة – التي يزيد تعدادها على ملياري مسلم – تعيش حالة ضعف وشتات واختلالات كبيرة، ولا سبيل إلى تجاوزها إلا بإحياء العلاقة الجادة بالدين، والالتزام الواعي بفرائضه، وتحويلها إلى قوة فاعلة في الواقع.
رمضان – في هذه الرؤية – ليس شهراً للانعزال عن قضايا الأمة، بل محطةً لصناعة الإنسان المؤمن الواعي، القادر على الصبر، والمبادر إلى الخير، والمستعد لتحمل المسؤوليات، والمتسلح بالقرآن كمنهج هداية دائم.
إنها دعوةٌ إلى أن يكون الشهر المبارك نقطة انطلاق جديدة، تتجدد فيها النفوس، وتستعيد فيها الأمة وعيها، وتتحول فيها العبادات إلى طاقة إصلاح، وتتحول التزكية إلى قوة مواجهة… في معركة الوعي، كما في معركة الميدان.