إن من أشدِّ الأمراض الاجتماعية التي تُفكِّك المجتمع وينتشر فيها البغضاء والأنانية هو الحسد، فإذا تمكّن من قلبٍ أقلقه وأصابه بالضيق الدائم وعدم الراحة؛ فالنفس البشرية قد يمتلكها الحسد ويسيطر عليها سيطرة كاملة قد تصل إلى مستوى كبير من محاولة الإضرار بالمحسود، فتصل إلى البغي الذي هو فرع الحسد الأعظم.

والبغي لا يصل إلى هذا مستوى إلا النفوس التي تجرَّدت من الإيمان والتقوى تمامًا، فتنطلق منها الشر محاولةً الإضرار بالمحسود، ولذلك قال الله في القرآن الكريم: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إذَا حَسَدَ﴾.

 

محاولات تشويه السُّمعة (نموذج إخوة يوسف)

فمن الأعمال التي يعملها الحاسد تجاه المحسود كثيرة، كلها تصب في ضرب قيمة ومقام المحسود عند الآخرين ومحاولة إلصاق تهم لا أَسَاس لها من الصحة، كما ظل إخوة يوسف يحملون على أخيهم بذرة الحسد حين قالوا: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾؛ يحاولون تشويه السمعة لأخيهم بقصد ضرب قيمته المعنوية وتشويه صورته وتقديم ذلك التصرف مرتبطًا بمساوئ قديمة.

فأبرز ما يتصوره الحاسد تجاه المحسود أن المحسود يعتبر منافسًا، فيريد أن يكون لا نظير له، ولو فكر بروح إيمانية لكان هذا تصورًا خاطئًا لا أَسَاس له مطلقًا، فكلها وساوس شيطانية؛ لأن الله يرسم لكل إنسان طريقًا وفيه خير حتى للحاسد نفسه، ويصبح المجتمع متكاملًا.

فأحيانًا يبتليك الله بإنسان يمتلك من القدرات والمعرفة أكثر منك لينظر كيف ستتعامل مع المسألة، فيكون هذا اختبارا حقيقيًّا وصعبًا للغاية؛ فإن تعاملت بروح إيمانية زادك الله رفعةً وترتقي في سلم الكمال البشري وتحظى بتأييد الله وعونه.

 

تدمير الذات والمحيط

وإن تعاملت بعكس ذلك تدمّـر في نفسك نزعة الخير وتصبح نفسك منطلقًا لشر، وتعيش معلول النفس، تعيش حالة من التوجس الدائم والعذاب النفسي المُستمرّ، فتصبح كُـلّ تصرفاتك تريد أن تُشبع بها نفسيتك المعلولة، فتدمّـر كُـلّ محيطك، تحاول أن توصل نفسك إلى حالة من التشبع الغرائزي لكنها تزيد من التيه والضلال.

لذا هناك مقولة تقول: “الحسود لا يسود”؛ لماذا؟ لأنه لا يرتاح إلا عندما يدمّـر محيطه بالكامل، فيصبح غير مأمون على من حوله، وتكون مواقفه معرضة لمزاجه الشخصي لا تستند إلى مبادئ.

 

التصورات الشيطانية والعدالة الإلهية

أيضًا من التصورات الشيطانية للحاسد، وهي تصورات غير واقعية، أنه يرى أن المحسود يشكل خطرًا على ما يعتبرها مصالحه، وهذا التفكير يُعد من أسذج الأمور وهو غير واقعي.

فمن أعجب العجائب والشيء العجيب جِـدًّا أن نفسية الحاسد ترتاح وتُسر عندما ترى المحسود في وضعية صعبة أَو عناء؛ فهذا من الشقاء أن تكون راحتك في تعاسة الآخرين.

أَيْـضًا يرى الحاسد أن المحسود غير جدير بموضوع معين بحسب نظرته؛ إما لأنه فقير لا يمتلك المال، أَو شخص لا تستطيع تركيبته المجتمعية حمايته (قبيلة أَو أسرة وما شابه تسنده)، فيفكر بمستواه الفكري، وفي علم الله أشياء لا تخضع لقياس البشر ولا لتفكيرهم.

في لحظة من اللحظات، إذَا اقتضت حكمة الله، تتحول جوانب النقص عند المحسود إلى جوانب قوة.

وباعتقادي، والله أعلم، أن أغلب مشاكل الحياة السبب الأول والحقيقي لها هو الحسد.

 

روشتة العلاج (ترويض النفس)

لعلاج مثل هذا الداء المستكن، عوِّد نفسك وروِّض نفسك على المحبة للآخرين وحب الخير لهم، وذلك من خلال مسارات عملية: النظرة الإيجابية: النابعة من صدق النوايا تجاه محيطك.

المشاركة الوجدانية: عوِّد نفسك أن تفرح إذَا حصل الآخرون على خير.

سلاح الدعاء: كن كثيرَ الدعاء لهم، خُصُوصًا لمن تشعر بالغيرة منهم؛ فالدعاء لهم بالخير رياضة للنفس وتمرين يغرس فيها الخير وينميه.

نسأل الله أن يجنِّبَنا وإياكم الحسد، وأن يجعلَ نفوَسنا خاضعة خانعة بمقتضى أمر الله.