أفق نيوز
الخبر بلا حدود

من المتوسط إلى آسيا.. كيف يوظف الكيان الصهيوني شبكة التحالفات لإعادة هندسة المنطقة ؟

42

أفق نيوز| تقرير|

تتسارع خلال السنوات الأخيرة ملامح مشروع إقليمي واسع يسعى الكيان الصهيوني إلى ترسيخه عبر بناء شبكة تحالفات متعددة الاتجاهات تتجاوز حدود الجغرافيا المباشرة لفلسطين المحتلة.

وفي هذا السياق برزت تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو التي تحدث فيها عن منظومة تحالفية تمتد من شرق المتوسط إلى آسيا، في إطار رؤية استراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل الفضاء الإقليمي سياسياً وأمنياً واقتصادياً.

هذه الرؤية تعكس تحوّلاً من الاعتماد الحصري على التحالف مع الولايات المتحدة إلى محاولة بناء شبكة أوسع من الشراكات القادرة على تثبيت الهيمنة طويلة الأمد واحتواء قوى المقاومة في المنطقة.

تحالف متعدد الأضلاع وإعادة تعريف الجغرافيا السياسية

تشير تصريحات نتنياهو إلى توجه نحو إنشاء محور متعدد الأطراف يضم دولاً على ضفاف شرق المتوسط مثل اليونان وقبرص، إلى جانب دول عربية وإفريقية وآسيوية، مع إبراز الهند كأحد أهم الشركاء المحتملين.

هذا التوجه يعكس انتقال المشروع الصهيوني من نطاق التحالفات الثنائية المحدودة إلى بناء منظومة إقليمية متشابكة تقوم على المصالح الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية، ما يسمح بتجاوز الطوق الجغرافي والسياسي المفروض على الكيان منذ عقود.

الحديث عن رؤية مشتركة للتحديات والأهداف بين هذه الدول يكشف محاولة لتأسيس بيئة سياسية تعتبر المصالح الصهيونية جزءاً من منظومة الاستقرار الإقليمي، وهو تحول نوعي في الخطاب السياسي يسعى إلى تطبيع الوجود الصهيوني بوصفه مكوناً طبيعياً في توازنات المنطقة.

سياسة المحاور كأداة للهيمنة وتقسيم الإقليم

في طرح نتنياهو، يظهر تقسيم المنطقة إلى محاور “راديكالية” سنية وشيعية، وهو توصيف يحمل دلالات سياسية تتجاوز مجرد التصنيف الأمني، ليعكس استراتيجية قائمة على إدارة التناقضات الداخلية في العالمين العربي والإسلامي.

هذا التقسيم يخدم قاعدة “فرق تسد”، إذ يسمح بإعادة توجيه بوصلة الصراعات داخل الإقليم بعيداً عن الصراع المركزي مع الاحتلال، ويؤدي إلى تكريس عزلة الشعوب والقوى المناهضة للمشروع الصهيوني عن بعضها البعض.

كما أن استخدام هذا الخطاب يمنح الكيان هامشاً أوسع للتحرك كطرف “وسيط” أو “شريك استقرار”، رغم استمراره في تبني سياسات توسعية وعدوانية، ما يبرز التناقض بين الخطاب والممارسة في الاستراتيجية الصهيونية.

 أدوات إعادة تشكيل البيئة الإقليمية

المشروع المطروح لا يقتصر على التحالفات السياسية، بل يعتمد على حزمة متكاملة من الأدوات تشمل التعاون التكنولوجي والاقتصادي والأمني.

فالتقارب مع الهند مثلاً يحمل أبعاداً استراتيجية تتعلق بالتكنولوجيا العسكرية، والأمن السيبراني، والتبادل التجاري، ما يعزز قدرة الكيان على بناء عمق استراتيجي خارج محيطه المباشر.

وفي السياق ذاته، يتقاطع هذا التوجه مع ما يروج له في الأوساط الأمريكية والصهيونية تحت مسمى “الإبراهيمية”، التي تقدم كإطار للتعاون الإقليمي لكنها عملياً تشكل مظلة سياسية وثقافية لتكريس التطبيع وإعادة صياغة العلاقات في المنطقة بما يحفظ التفوق الصهيوني على المدى البعيد.

مفارقة الاستهداف المتزامن للحلفاء والخصوم

رغم الحديث عن شراكات وتحالفات، تكشف التجارب الإقليمية أن الكيان الصهيوني لا يستثني أي طرف من دائرة الاستهداف الاستراتيجي.

فالجهات التي قد تتقاطع معه في ملفات محددة أو تشارك في ترتيبات أمنية واقتصادية تبقى عرضة لإعادة التوظيف أو الضغط وفق مقتضيات المصالح الصهيونية، ما يجعل مفهوم “الشراكة” في هذه المنظومة قائماً على عدم التكافؤ.

هذه المفارقة تعكس طبيعة المشروع الذي يسعى إلى إدارة الإقليم لا الاندماج فيه، وإلى توظيف التحالفات كوسيلة لضبط البيئة الاستراتيجية المحيطة وليس كغاية تعاونية متبادلة.

ختاماً

تظهر قراءة التصريحات والتحركات المرتبطة بها أن الكيان الصهيوني يتجه نحو مرحلة جديدة من هندسة الإقليم عبر شبكة تحالفات عابرة للجغرافيا، مدفوعة بدعم أمريكي وساعية إلى استثمار الانقسامات الداخلية في العالمين العربي والإسلامي.

ويؤكد هذا المسار أن الصراع لم يعد محصوراً في بعده العسكري المباشر، بل بات يمتد إلى مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا وبناء المنظومات الإقليمية، ما يجعل فهم طبيعة هذه التحالفات وتداعياتها عاملاً أساسياً في استشراف مستقبل التوازنات في غرب آسيا ومسارات الصراع فيها.

يمانيون