“العيب الأجدم”.. قانون قبلي صارم يحمي “وسطاء الحرب” ويُضاعف العقوبات 44 مرة!
أفق نيوز| محسن علي
يبرز مفهوم “العيب الأجدم” كحجر زاوية في التشريع القبلي الغصاب، ونظام قضائي صارم يهدف إلى حماية أرواح وممتلكات وعرض فئة بالغة الأهمية في فض النزاعات: “وسطاء الحرب”، فما هو هذا “العيب الأجدم”؟ وكيف يُضاعف العقوبات ليضمن صون كرامة من يسعون لوقف نزيف الدم؟ نستعرض في هذا الجزء الـ23 هذه المفاهيم من سلسلة قواعد العرف القبلي المسنونة والغصابة لقبائل اليمن وعلى النحو التالي:
“العيب الأجدم”: مفهومه وأسسه العرفية
يُعرف “العيب الأجدم” في المفهوم العرفي بأنه تلك الجرائم والاعتداءات التي تُقاس أحكامها بمربوع المحدش، في عرض الإنسان ودمه وماله، ويُعد “مربوع المحدش” ناتج ضرب (4 × 11) أي 44، وهذا الرقم ليس مجرد قيمة حسابية، بل هو أساس لتغليظ العقوبة، حيث يُضاف إلى الحكم الأصلي ثلاثة وأربعون “غالياً”، ليصبح إجمالي الحكم أربعة وأربعين ضعفاً.
“علقة واسطة الحرب”.. العيب الأجدم الوحيد
يختص “العيب الأجدم” في قواعد التشريع العرفية الغصاب بـ”علقة” واحدة فقط، وهي “علقة واسطة الحرب” وهم :هم أفراد وعقال ومشايخ القبائل الذين يفزعون لإيقاف نشوب حرب بين طرفين متحاربين، حرصاً منهم على حقن الدماء والعمل على عقد صلح زمني، لتسهيل حل الخلاف القائم بين طرفي الحرب، حسب اتباع إجراءات العرف المسنونة في ذلك.
حصانة “وسطاء الحرب” والعقوبات المترتبة على الاعتداء عليهم
يتمتع “وسطاء الحرب” بحصانة عرفية قبلية تُجرّم التعدي عليهم, ولذا فأن أي اعتداء يقع على “واسطة الحرب”، سواء كان في العرض، أو في الدم، أو في المال، يُعتبر “عيباً أجدم”، ويُحكم فيه بمربوع المحدش.
من يتحمل حكم “العيب الأجدم”؟
تتحدد مسؤولية تحمل حكمه بناءً على ثبوت الاعتداء:عند ثبوت الاعتداء على طرف بعينه, يتحمل ذلك الطرف حكم العيب كاملاً، ويُعتبر هو “العايب”، دون أن يتحمل الطرف الآخر شيئاً من حكم العيب, أما في حال عدم ثبوت العيب على طرف معين, فيتحمل طرفا الحرب مسؤولية الاعتداء، وتُفرض عليهما “أيمان القسامة” بواقع أربعة وأربعين ذمة، وبعد المضي في هذه الذمم، يتقاسم الطرفان حكم “العيب الأجدم” بمربوع المحدش مناصفة.
خاصيتان فريدتان
يتميز “العيب الأجدم” بخاصيتين تجعلانه مختلفاً عن بقية العيوب الأخرى في التشريع العرفي وهي: عند عدم بقاء الدم ديناً عند ثبوت القتل, في حال حصول قتل لأحد أفراد الواسطة، فإن دم القتيل لا يبقى ديناً بعد الحكم بـ”العيب الأجدم”، بمعنى أن قضية الدم تُفصل نهائياً بتسليم دية شرعية للقتيل (وهو الحد الأصلي في الدم)، ويُساق الحد مع محكوم غوالي العيب، على عكس العيوب الأخرى التي قد يبقى فيها الدم ديناً إلى أجل غير مسمى.
وكذلك فرض أيمان القسامة دون حجب قيام الأحشام, بعد المضي في أيمان القسامة من طرفي الحرب، يُساق محكوم “العيب الأجدم”، وهذا يعني أن هذه الذمم لا تُلغي قيام “أحشام العيب” (العقوبات المغلظة)، بينما في العيوب الأخرى، إذا فُرضت أيمان القسامة، فإنها تُلغي العيب ومحكومه، ولا يُحكم بعد أخذ الذمم إلا بالحد الأصلي فقط دون تغليظ.
توضيح لكيفية تطبيق أحكام “العيب الأجدم لقضية افتراضية
الواقعة: تم الاعتداء على شخص من ضمن “واسطة حرب” كانت تسعى لإيقاف نزاع بين طرفين، نتج عن الاعتداء فعل دم في هذا الشخص، وتسبب أيضاً في إتلاف سيارة من سيارات الواسطة.
قُدر أرش الدم بمبلغ 100,000 ريال، وثمن أضرار السيارة بمبلغ 200,000 ريال ولم تتوفر أي صور من مبطلات العيب
المعطيات الأساسية:
ثبوت “علقة واسطة الحرب”، مما يُعد “عيباً أجدم” بمحكوم “مربوع المحدش”
ثبت الاعتداء على الدم والمال في آن واحد
قيمة أرش الدم: 100,000 ريال
ثمن المال المتلف (أضرار السيارة): 200,000 ريال
عدم توفر أي صور من مبطلات العيب
تحديد الحد الأصلي
في العرض: رد الاعتبار بتسريح ثور ومتبوعه
في الدم: الأرش المقرر 100,000 ريال
في المال: ثمن ما تلف في السيارة 200,000 ريال
حكم “العيب الأجدم” (الحد الأصلي × 43 غالي)
في العرض: 1 ثور × 43 = 43 ثوراً (وهذه هي غوالي العيب في رد الاعتبار)
في الدم: 100,000 ريال × 43 = 4,300,000 ريال (قيمة غوالي العيب في الدم)
في المال: 200,000 ريال × 43 = 8,600,000 ريال (قيمة غوالي العيب في المال)
منطوق الحكم النهائي (بإضافة الحد الأصلي إلى الغوالي)
في العرض: تسريح أربعة وأربعين ثوراً (مساق الدسم/الهجر في العرض)
في الدم: دفع مبلغ أربعة ملايين وأربعمائة ألف ريال (100,000 + 4,300,000) (مساق الذم والدم)
في المال: دفع مبلغ ثمانية ملايين وثمانمائة ألف ريال (200,000 + 8,600,000) (مساق المال وأحشامه)
ملاحظة حول “خافضات العيب“: إذا توفرت “خافضات العيب” (وهي صور معينة من المتعيب)، فإنها تخفض المحكوم من الأحشام والغوالي إلى مستوى “حد الجبر حايزها”، بمعنى أنها لا تتجاوز الحد الأصلي وحشمه (مثله)
خاتمة
يُظهر نظام “العيب الأجدم” مدى عمق وتفرد التشريعات العرفية في المجتمعات القبلية، وكيف أنها تُصمم لحماية القيم الأساسية، وفي مقدمتها دور “وسطاء الحرب” الذين يُعدون صمام أمان للمجتمع، وإن فهم هذه القوانين يُسلط الضوء على آليات العدالة التقليدية التي لا تزال تلعب دوراً حيوياً في فض النزاعات وحفظ السلم الأهلي والأمن المجتمعي.
يمانيون