أفق نيوز
الخبر بلا حدود

المقاومة تكسر هيبة الاحتلال: عمليات معقدة تخترق الصفوف بعد “إعماء” منظومات الرصد

31

أفق نيوز|

بين أزقة “الطيبة” وساحات “الخيام” المفتوحة في الجنوب اللبناني المحتل، رسمت المقاومة الإسلامية في لبنان، اليوم الأربعاء، معالم استراتيجية دفاعية لا تكتفي بصد العدوان فقط، وإنّما تحيله إلى استنزافٍ بنيوي وقاتل، حيث كشفت العمليات الأخيرة عن تباين عبقري في استخدام القوة التكتيكية تكييفًا مع طبيعة الجغرافيا وأهداف العدوّ.

في “مشروع الطيبة”، تجلت هندسة الكمائن المركبة في عقلية المقاومة التي تعتمد على تحويل كل آلية مدمرة إلى نقطة جذب مميتة لقوات الإنقاذ، حيث لم يكن تدمير دبابة “الميركافا” بمسيّرة انقضاضية سوى الافتتاحية لاستدراج سلاسل الإمداد والتدخل الهندسي، ليتم الإطباق عليهم بصلية صاروخية محكمة ثم ملاحقة مروحيات الإخلاء؛ ممّا حول الجغرافيا الضيقة والمبنية في الطيبة إلى مصيدة صمت تُدار بدقة التوقيتات القاتلة وفارق الدقائق المدروسة التي تُفقد العدوّ المتوغل توازنه وتجبره على دفع أثمان مضاعفة من نخبة جنوده وآلياته.

في المقابل، قدمت الجبهة في محيط “الخيام” و”موقع الحمامص” نموذجًا مختلفًا من السيادة النارية، حيث استعيض عن صمت الكمائن بالهجوم المسيّر المكثّف الذي يعتمد على أسراب الانقضاض، مستغلاً الطبيعة المنبسطة نسبيًا التي تسمح للعدو بمحاولات حشد أكبر لآلياته.

ويعكس الانتقال من الكمين الفردي في الطيبة إلى السرب الانقضاضي في الخيام قدرة المقاومة على إدارة جبهات متعدّدة بعقليات عسكرية متباينة؛ فبينما كان الهدف في الطيبة هو التثبيت ثم السحق، كان الهدف في الخيام هو التشتيت ثم التدمير الشامل لمنع العدوّ من تثبيت أيّ نقطة ارتكاز أو استحداث مواقع لوجستية، وهو ما يفسر استخدام المحلقات التي تطارد الجنود الصهاينة بين السواتر والتحصينات المستحدثة بدقة جراحية، محولةً الميدان إلى منطقة محرمة لا يستطيع الاحتلال البقاء فيها أو الانسحاب منها دون خسائر فادحة.

هذا التزاوج الفني بين التكتيكات البرية واستخدام سلاح الجو المسيّر يؤكّد أنّ المقاومة قد أحكمت قبضتها على وعي الميدان؛ فباتت هي من يحدّد زمان الاشتباك ونوع السلاح، محولةً كل محاولة تقدم صهيونية إلى مأزق عملياتي معقد يفتقر فيه جيش الاحتلال الذي يدعي التفوق التكنولوجي إلى الحلول العسكرية الناجعة ضد أشباح الأرض.

وهُنـا يبرز تساءل مُلِحٌّ يبحث عن إجابة: إذ كيف نجحت المقاومة في التخفي عن أعين الرصد الفضائية ومسيّرات الاستطلاع الصهيونية أثناء تنفيذ هذه العمليات المعقدّة؟

ووفقًا للمعطيات؛ فإنّ العبقرية العسكرية للمقاومة الإسلامية تكمن في قدرتها الفائقة على تحقيق التعمية الميدانية الشاملة في بيئة جغرافية مكشوفة وتحت مراقبة لصيقة من أحدث منظومات الاستطلاع الجوي والفضائي الصهيوني، حيث نجح المجاهدون في تحويل التضاريس اللبنانية إلى منطقة رمادية تبتلع أهداف العدوّ بينما تظل هي عصيّة على الرصد.

سر هذا النجاح يكمن في اعتماد استراتيجية الرصد السلبي التي تعتمد على المراقبة البصرية المباشرة والوسائط السلكية البديلة، بعيدًا عن الموجات اللاسلكية التي قد تلتقطها منظومات التنصت المعادية؛ ممّا أتاح للمجاهدين التحرك في “مشروع الطيبة” و”الخيام” تحت أنف مسيرات “هيرمز” و”إيتان”، وتنفيذ عمليات معقدة تبدأ من رصد الهدف وتنتهي بتدميره بمسافة زمنية صفرية لا تترك للعدوّ فرصة لرد الفعل أو المناورة الدفاعية.

استطاعت المقاومة كسر دورة القرار لدى جيش الاحتلال من خلال التمّويه التكتيكي الذي لا يعتمد فقط على الاختفاء الجسدي، وإنّما على الاختفاء التقني عبر استخدام محلقات ومسيّرات صغيرة الحجم ذات بصمة رادارية وحرارية منخفضة جدًا، تخرج من مكامنها في اللحظة المناسبة لتنفيذ الضربة الخاطفة ثم الاختفاء مجددًا.

وهذا الأسلوب حوّل كل شجرة وصخرة وركام منزل في القرى الحدودية إلى منصة إطلاق كامنة، حيث يتم توزيع المهام بين وحدات الرصد التي تحدد الإحداثيات بدقة متناهية، ووحدات التنفيذ التي تتحرك وفق مسارات ميتة لا ترصدها الرادارات؛ ممّا جعل العدوّ يواجه شبحًا يضربه من كل الاتجاهات دون أن يتمكن من تحديد مصدر النيران أو تدمير قواعد الإطلاق، وهو ما اعترف به إعلام العدوّ بصراحة حين تحدث عن تعقيد مهمة “الجيش” في تحديد مواقع إطلاق الصواريخ والمسيّرات نتيجة تغيير الأنماط وتوزيع المنصات.

هذه السيادة المعلوماتية التي فرضتها المقاومة في قلب “العصف المأكول” هي نتاج تراكم خبرات في حرب العقول التي أثبتت أن الإرادة القتالية والارتباط الوثيق بالأرض يتفوقان على خوارزميات الذكاء الاصطناعي الصهيوني.

وبينما يغرق العدوّ في بحرٍ من البيانات الاستخباراتية التي تفشل في حماية دباباته وجنوده؛ تظل المقاومة هي الطرف المبادر الذي يمتلك الرؤية الواضحة للميدان، محولةً كل محاولة اختراق صهيونية إلى فصلٍ جديد من الفشل الاستخباري والميداني.

ويبدو تدمير الآليات وسحق التجمعات في هذه النقاط الساخنة ليس إلا تعبيرًا عن فشل استراتيجية الأرض المحروقة التي ينتهجها الاحتلال؛ إذ تخرج له المقاومة من تحت الركام وبأدوات تقنية تسبق منظومات دفاعه بمرات، لتثبت أن معركة “العصف المأكول” تسير وفق جدول زمني تصاعدي، يضع العدو أمام خيارين أحلاهما مر؛ إمّا الغرق في رمال الجنوب المتحركة أو التراجع بذيول الهيبة المنكسرة تحت وطأة ضربات المجاهدين الذين عاهدوا الله أنّ يظل لبنان عصيًّا على الانكسار وسيدًا في الميدان.

وبالنتيجة؛ فإنّ سلسلة عمليات اليوم هي معركة ثبات وصمود تثبت أنّ صاحب الأرض هو الأبصر بشعابها، وأنّ غبار المعارك في الجنوب لن ينقشع إلا على حقيقة واحدة؛ أنّ المقاومة الإسلامية بقيادة حزب الله هي العين التي لا تنام واليد التي لا تخطئ الهدف، دفاعًا عن عزة واستقلال لبنان وكرامة شعبه الأبي.