اليوم الثالث والأربعون: إسلام آباد تتحول إلى “حقل ألغام” تفاوضي.. طهران تُشرع سلاح هرمز، ولبنان يُحرق الميركافا وأوهام السلطة!
أفق نيوز| تقرير| طلال نخلة
نقف اليوم في عين العاصفة الدبلوماسية. إسلام آباد، التي كان يُراد لها أن تكون مسرحاً لالتقاط الصور والاحتفال بهدنة أمريكية-إيرانية، تحولت إلى حلبة صراع إرادات. الوفد الإيراني وصل، نعم، لكنه لم يأتِ لتوقيع صك استسلام، بل جاء بـ “مسدس مصوب نحو مضيق هرمز” وبشرطين لا مساومة فيهما: تحرير الأصول، ووقف شلال الدم في لبنان.
وفي المقابل، تحاول واشنطن ممارسة الخداع البصري: تنفي الإفراج عن الأصول، وتُرسل حاملة طائرات ثالثة (USS George H.W. Bush) إلى المنطقة كأداة ابتزاز. وفي خضم هذا الكباش، تستمر السلطة السياسية اللبنانية في لعب دور “المُعطّل للسيادة الحقيقية” عبر قبولها بمسار تفاوض منفصل ومباشر مع تل أبيب، وهو ما ردت عليه طهران وحزب الله بصرامة.
سأُفكك لكم ظهر هذا السبت المعقد، وأقرأ خريطة الاشتباك الدبلوماسي والميداني:
أولاً: طاولة إسلام آباد.. المفاوضات على حافة الهاوية
* حرب التسريبات (تحرير الأصول): تسريب “رويترز” (عن مصدر إيراني) بموافقة أمريكا على تحرير الأصول في قطر وغيرها، تبعه نفي قاطع من مسؤولين أمريكيين (عبر CBS). هذه هي لعبة الشد والجذب قبل الجلوس إلى الطاولة (التي توقعت باكستان أن تكون مباشرة). إيران تعتبر تحرير الأموال “اختباراً لجدية” أمريكا، وواشنطن تخشى أن يظهر ترامب بمظهر من يدفع “فدية” لطهران.
* الشرط اللبناني (عقدة المنشار): الوفد الإيراني يجتمع بالقيادة الباكستانية ليضعهم أمام مسؤولياتهم كوسيط. طهران تقول بوضوح: واشنطن أخلّت بتعهداتها عبر إعطاء ضوء أخضر لضرب لبنان. التصريح الإيراني (للرئيس وعراقجي) بأن وقف إطلاق النار يجب أن يشمل جميع الجبهات، يعني أن طهران ترفض “الهدنة المجزأة”.
* التلويح بهرمز (الخطة ب): تصريح محمد مرندي (من إسلام آباد) بأن “مفاوضينا مثل رماة الصواريخ.. ومضيق هرمز بأيدينا” هو رسالة تهديد مباشر للوفد الأمريكي (فانس، ويتكوف وكوشنر). طهران تقول: نحن في باكستان، لكن أصابعنا على زر إغلاق المضيق، وعبور السفن (الذي بدأ بشكل ضئيل جداً كما أكدت CNN) سيتوقف فوراً إذا استمرت الخديعة.
ثانياً: الخطيئة اللبنانية الرسمية.. ومقصلة “التفاوض المباشر”
* انحراف السلطة اللبنانية: التوافق اللبناني – الإسرائيلي – الأمريكي على عقد اجتماع يوم الثلاثاء القادم (برعاية السفير لايتر)، هو انزلاق خطير نحو مسار يخدم إسرائيل. الدكتور محمد مرندي والمستشار علي أكبر ولايتي وجها رسائل قاسية للسلطة اللبنانية (ورئيس الحكومة نواف سلام تحديداً)، مؤكدين أن محاولة فصل لبنان عن اتفاق هرمز والموافقة على مفاوضات مباشرة/تطبيعية (تحت النار) هو ضرب لسيادة لبنان ويعرضه لمخاطر وجودية.
* إسرائيل تُفشّل الوفد الإيراني: من خلال هذا الموقف اللبناني الرسمي، تحاول واشنطن إحراج المفاوض الإيراني في إسلام آباد بالقول: “كيف تفاوضون عن لبنان لوقف إطلاق النار، بينما حكومته الرسمية قبلت استمرار المعارك حتى الثلاثاء وتُفاوضنا مباشرة؟”.
ثالثاً: الميدان لا يعترف بالتنازلات.. “العصف المأكول” تتحدث
* المقاومة تصحح المسار السياسي: في ظل هذا التخبط السياسي اللبناني، تكفل الميدان بالرد. بيانات الحزب اليوم ركزت على نقطتين:
1. ديباجة شرعية: كل بيان يبدأ بـ “رداً على خرق العدو لاتفاق وقف إطلاق النار”. المقاومة تُثبت حقها في الرد وفقاً للاتفاق الإقليمي الذي خرقته إسرائيل.
2. ضرب العمق والجيش: استهداف (كريات شمونة، المطلة، مسكاف عام، صفد، أدميت، ويعرا)، وتدمير ميركافا في بنت جبيل والعديسة.
* حصيلة الميركافا (185 آلية): إسرائيل تستهدف لبنان بالطيران لأن جيشها عالق. استهداف 152 ميركافا يعني أن جيش الاحتلال يخوض حرب استنزاف طاحنة، وتصريحات قادته بـ “تعميق العمليات” هي مجرد استهلاك محلي.
رابعاً: التحشيد العسكري.. حاملات الطائرات والتعزيزات الباكستانية
* وصول الحاملة بوش (USS George H.W. Bush):** انضمام حاملة الطائرات الثالثة إلى المنطقة (بجانب لينكولن وفورد) ليس لشن هجوم غداً، بل هو “أداة ضغط استراتيجي” (Gunboat Diplomacy) لمساندة الوفد الأمريكي في إسلام آباد. واشنطن تلوح بالعصا الغليظة.
* التعزيزات الباكستانية للسعودية: وصول مقاتلات وقوات باكستانية إلى قاعدة الملك عبد العزيز السعودية، تحت غطاء “الدفاع المشترك”، يُشير إلى قلق خليجي عميق من تداعيات أي فشل في مفاوضات إسلام آباد. السعودية تستنجد بباكستان لتأمين أجوائها تحسباً لأي هجوم صاروخي إيراني إذا انهار الاتفاق.
الخلاصة للقيادة: ماذا ينتظرنا في كواليس إسلام آباد؟
نحن في “مفاوضات حافة الهاوية”.
1. الوفد الأمريكي: يحملان أجندة مزدوجة: تأمين فتح المضيق رسمياً لإنقاذ أسواق الطاقة قبل الانتخابات النصفية، ومحاولة انتزاع تنازلات نووية من إيران. لكن واشنطن تواجه مفاوضاً إيرانياً شرساً يمتلك الميدان.
2. الوفد الإيراني: سيدخل الاجتماع (إن حصل مباشرة) بوضوح تام: “لا فك لتجميد هرمز دون فك تجميد الأصول، ولا استقرار في الخليج ما دامت بيروت تُقصف”.
3. العقدة اللبنانية: السلطة اللبنانية وضعت نفسها في مواجهة مع المقاومة ومع إيران. إذا ذهب لبنان إلى مفاوضات الثلاثاء تحت النار وقدم تنازلات (لصالح إسرائيل)، فإن الانفجار الداخلي اللبناني سيسبق الانفجار الإقليمي.