أفق نيوز
الخبر بلا حدود

مفاوضات إسلام آباد .. الصدمة الأمريكية أمام واقعية “نقطة الصفر” الإيرانية ​

67

أفق نيوز|

​لم تكن الساعات الواحدة والعشرون التي قضاها المفاوضون في “إسلام آباد” مجرد جولة دبلوماسية عابرة في سجل الصراع الطويل بين طهران وواشنطن، بل كانت لحظة كاشفة لانتهاء زمن “الإملاءات” وبدء عصر “المعادلات الميدانية”.

دخل الفريق الأمريكي قاعة المفاوضات مثقلاً بأوهام التفوق، معتقداً أن ما عجزت عن تحقيقه آلة الحرب والحصار طوال عقود، يمكن انتزاعه عبر مناورة سياسية خلف الأبواب المغلقة.

لكن الصدمة كانت بانتظارهم؛ حيث وجدوا أنفسهم أمام فريق إيراني لا يتحدث لغة “التنازلات”، بل لغة “عشرية الانتصار” التي صاغتها الجغرافيا الحادة والمقاومة التي لم تنكسر.

​لقد توهمت واشنطن أن الضغوط الاقتصادية والتحركات العسكرية الأخيرة قد وضعت طهران في زاوية ضيقة، إلا أن مجريات المحادثات أثبتت أن إيران هي من يمسك بزمام المبادرة، واضعةً الإدارة الأمريكية أمام خيارين أحلاهما مر: إما الاعتراف الكامل بالحقوق الإيرانية وتصفية تركة العداء، أو العودة إلى دوامة الفشل في الميدان.

​وهم “التسلق” في الجغرافيا الإيرانية الحادة

​طوال أربعين يوماً سبقت جولة إسلام آباد، حاولت الولايات المتحدة، ومن خلفها الكيان الإسرائيلي، ممارسة نوع من “التسلق” في الجغرافيا السياسية والعسكرية لإيران.

كانت التحركات تهدف إلى خلق انطباع بأن إيران باتت محاصرة وقابلة للكسر. ولكن، كما أوضح جيدي فانس في اعترافه الصريح بالفشل، فإن هذه المحاولات اصطدمت بصلابة “الجمهورية الإسلامية” التي رفضت الاستسلام.

​المفاوض الإيراني في إسلام آباد لم يأتِ ليدافع، بل جاء ليطرح “واقعية نقطة الصفر”.

هذه النقطة تعني ببساطة أن أي تفاوض لا يبدأ من الاعتراف بهزيمة مشروع “الحصار والوعيد” هو تفاوض محكوم عليه بالفشل.

لقد أدركت طهران أن واشنطن تحاول “إعادة تدوير” أهدافها العسكرية الفاشلة في قوالب دبلوماسية، فكان الرد الإيراني حازماً: الجغرافيا الإيرانية، سواء كانت تضاريس الأرض أو عمق التحالفات الإقليمية، هي منطقة محرمة على المناورات الأمريكية.

​”عشرية الانتصار” مقابل أوراق المطالب العقيمة

و​تجلت الفجوة الكبيرة بين العقلية الأمريكية والعقلية الإيرانية في الطريقة التي طُرحت بها الملفات.

الفريق الأمريكي دخل القاعة ومعه “ورقة مطالب” وكأنه الطرف المنتصر، متجاهلاً حقيقة أن أدوات ضغطه قد استُنفدت ولم تعد تؤتي ثمارها.

في المقابل، قدمت إيران ما يمكن تسميته بـ “عشرية الانتصار المعدلة”، وهي خارطة طريق واقعية لا تقبل القسمة على اثنين.

​تتضمن هذه الرؤية الإيرانية استحقاقات غير قابلة للتفاوض:

  • ​إطلاق الأموال المحتجزة: كحق طبيعي وقانوني بعيداً عن أي مقايضات سياسية. ​
  • رفع العقوبات الشامل: ليس كمنحة أمريكية، بل كإقرار بفشل سياسة “الضغوط القصوى”. ​
  • دفع التعويضات: عن الخسائر التي لحقت بالشعب الإيراني جراء الحصار غير القانوني.
  • ​التسليم بالحق النووي والصاروخي: كركيزة أساسية للدفاع الوطني والتقدم العلمي لا تخضع للابتزاز.

​هذه المطالب لم تكن مجرد قائمة رغبات، بل كانت تعبيراً عن “فائض القوة” الذي تمتلكه إيران اليوم، حيث أثبتت التجربة أن ما لم تحصل عليه أمريكا بالبارجة والحصار، لن تحصل عليه بابتسامة مفاوض أو تهديد مبطن.

​سيادة “هرمز” وتحطيم أدوات الابتزاز الاقتصادي

و​في ذروة التخبط الأمريكي، برزت تصريحات ترامب والمسؤولين الأمريكيين التي لوحت مجدداً بفرض حصار على مضيق هرمز واستهداف السفن العابرة.

هذا الطرح يمثل ذروة “الإفلاس الاستراتيجي”؛ فالمساس بحرية الملاحة في هرمز من قبل الولايات المتحدة يعني ببساطة “إطلاق الرصاص على قدميها”.

​إن إيران، التي تفرض سيادتها الكاملة على هذا الشريان الحيوي، تدرك أن أي محاولة أمريكية للعبث بهذا الملف ستؤدي إلى:

  • ​انفجار أسعار الوقود: مما يعمق الأزمة الاقتصادية داخل الولايات المتحدة نفسها.
  • ​خنق الحلفاء الإقليميين: دفع الدول الخليجية إلى هاوية اقتصادية لا يمكن التنبؤ بنهايتها.
  • ​انهيار النظام التجاري العالمي: وهو ثمن لا تستطيع واشنطن ولا حلفاؤها تحمله.

​لذا، فإن التهديد الأمريكي بـ “حصار المضيق” ليس سوى خيار انتحاري ونتائجه عكسية تماماً، وهو ما يفسر لماذا يجد الرئيس الأمريكي نفسه مضطراً للوم الحلفاء التقليديين على “عدم المساعدة”، في محاولة للهروب من حقيقة أن القوة الأمريكية لم تعد كافية لتغيير قواعد الاشتباك في الخليج.

​نتائج الانتصار ومشروعية التحالفات الإقليمية

​ولا يمكن فصل ما جرى في إسلام آباد عن المشهد الإقليمي الواسع.

إيران طالبت بوضوح بوقف إطلاق النار في كافة الجبهات بالتزامن، وهو ما يعكس دورها كـ “بيضة القبان” في استقرار المنطقة.

المفاوض الإيراني فرض “مشروعية التحالفات” كأمر واقع؛ فلم تعد قوى المقاومة في المنطقة مجرد “أوراق ضغط”، بل أصبحت جزءاً أصيلاً من معادلة الأمن الإقليمي التي يجب على واشنطن التسليم بها.

​بينما تريد الولايات المتحدة من إيران التراجع عن مكتسباتها الاستراتيجية كنتيجة لما تراه واشنطن “هزيمة” (وهي في الواقع هزيمة أمريكية بامتياز)، تتمسك طهران بأن نتائج الميدان هي التي ترسم حدود الطاولة.

الهزيمة الأمريكية في غزة، ولبنان، واليمن، لم تترك لواشنطن ما تساوم عليه، مما جعل الفريق الأمريكي يخرج من المحادثات بصدمة كبرى أمام “ثبات المعادلات” الإيرانية.

​خاتمة: الجاهزية الشاملة.. بين سلم الكرامة وحرب الاقتدار

​انتهت مفاوضات إسلام آباد لتضع الكرة في الملعب الأمريكي من جديد، فالرسالة الإيرانية كانت واضحة ولا لبس فيها: “جاهزون للسلم وجاهزون للحرب، لكننا غير جاهزين للتنازلات”.

لقد أثبتت إيران أنها لا تشتري السلم بالضعف، بل تفرضه بالقوة والحكمة السياسية.

​إن العودة للتفاوض تظل سيناريو مطروحاً، لكنه لن يفتح أبوابه إلا إذا تخلت واشنطن عن عقلية “رعاة البقر” واستوعبت أن إيران عام 2026 هي قوة إقليمية عظمى بامتياز، تمتلك من الأدوات ما يكفي لتحويل أي تهديد إلى فرصة لتعزيز سيادتها.

لقد سقطت ورقة التوت عن السياسة الأمريكية في إسلام آباد، وبات واضحاً أن زمن “المعجزات الدبلوماسية” القائمة على كسر إرادة الشعوب قد ولى إلى غير رجعة، لصالح واقعية جديدة صاغتها إيران بدمائها، وعقولها، وصمودها الأسطوري.

يمانيون