لم يعد من الصعب ملاحظة التشابه الكبير في الخطاب السياسي والسلوك العملي لكلٍّ من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء كيان الاحتلال بنيامين نتنياهو؛ فكلاهما قدّم نفسه أمام جمهوره بوصفه قائدًا حازمًا لا يتردّد في استخدام القوة، وكلاهما جعل من التفاخر بالقتل والتدمير لغةً سياسية يقدّمها كإنجاز أَو دليل على القوة.

في خطابات ترامب وتصريحاته، كَثيرًا ما كان يكرّر عباراتِ الفخر بعمليات الاغتيال والضربات العسكرية، مقدمًا ذلك على أنه دليل على الحسم والقدرة على فرض الإرادَة الأمريكية.

وعلى النهج ذاته، اعتاد نتنياهو بعد كُـلّ عدوان على فلسطين أَو في أية ساحة أُخرى أن يتحدث بلغة “الضرب والقتل والتدمير”، وكأن هذه الجرائم تمثل معيار النجاح السياسي والعسكري.

هذا التشابه في الخطاب يعكس في حقيقته تشابُهًا أعمقَ في العقلية التي تدير الصراع؛ عقليةٍ تقوم على منطق الدم والنار، وترى في القوة المفرطة وسيلة لفرض الهيمنة وإخضاع الشعوب.

غير أن هذه المقاربة تكشف في الوقت ذاته عن قصور استراتيجي واضح؛ لأن الاعتماد على العنف وحدَه لا يصنع استقرارًا ولا يحقّق نصرًا دائمًا.

لقد سعت السياساتُ الأمريكية والصهيونية خلال السنوات الماضية إلى تفكيكِ قوى المقاومة وعزل ساحاتها عن بعضها البعض، عبر الحروب والاغتيالات والعقوبات والضغوط السياسية.

لكن المفارقة أن هذه السياساتِ نفسَها أسهمت في تحقيق نتيجة معاكسة تمامًا؛ إذ أَدَّت إلى تعزيز التقارب بين ساحات المقاومة في إيران واليمن ولبنان وفلسطين.

فالعدوان المُستمرّ والتهديدات المتكرّرة جعلت هذه الساحات تدرك أن المعركة واحدة وأن المشروع الذي يواجهها واحد أَيْـضًا، الأمر الذي دفعها إلى تعزيز التنسيق والتكامل في المواقف والقدرات.

وهكذا تحولت السياسات التي أرادت إضعاف هذه القوى إلى عامل أَسَاسي في توحيدها وتعزيز صمودها.

إن التفاخر بالقتل والتدمير قد يمنح أصحابَه مكاسبَ إعلامية مؤقتة، لكنه لا يغير حقائق الواقع.

فالمنطقة اليوم تشهدُ تزايدًا في الوعي بطبيعة المشروع الأمريكي-الصهيوني، كما تشهد في المقابل تعاظمًا في قدرات قوى المقاومة وتماسكها.

وفي المحصلة، فإن عقلية الدم والنار التي يجسّدها ترامب ونتنياهو لن تقود المنطقة إلا إلى مزيد من الأزمات والتوترات، كما أنها لن تنجح في إدارة تعقيدات الواقع الإقليمي أَو فرض الهيمنة التي يتوهمها أصحابها.

بل إن نتائج هذه المغامرات ستنعكس في نهاية المطاف تراجعًا في النفوذ الأمريكي واستنزافًا متزايدًا لكيان الاحتلال.

لقد ظنّ صناع القرار في واشنطن وكَيان الاحتلال أن القوة المفرطة يمكن أن تفرض واقعًا جديدًا في المنطقة، لكن التجارب المتتالية أثبتت أن الدمار لا يصنع نصرًا دائمًا.

وعلى العكس من ذلك، فإن سياساتِ العدوان والقتل لم تؤدِّ إلا إلى توسيع دائرة المواجهة وتوحيد ساحات المقاومة، في مسار قد يجعلُ المستقبلَ أكثرَ صعوبةً على المشروع الأمريكي-الصهيوني، وأكثر وضوحًا في اتّجاه فشل رهاناته العسكرية والسياسية.