أفق نيوز
الخبر بلا حدود

المسئوليات في دين الله .. حين تتحول الأمة إلى جسد واحد

39

أفق نيوز|  تقرير|  طارق الحمامي 

في سياق مشروعه القرآني، قدّم الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، رؤية عميقة تعيد تعريف العلاقة بين الفرد والأمة في تحمّل المسؤولية الدينية، ومن خلال الدرس السابع من دروس رمضان، تتجلى معالم هذه الرؤية في طرح مركزي مفاده أن “المسئوليات الكثيرة في دين الله مرتبطة بالأمة كأمة، لا يمكن أن ينهض بها الفرد الواحد”، هذه الفكرة لا تُطرح كوعظ نظري، بل كقاعدة تأسيسية لفهم الدين بوصفه مشروعًا جماعيًا متكاملاً، يتجاوز الفردية إلى مستوى الأمة الفاعلة.

من الفردية إلى الوعي الجمعي

يشير الشهيد القائد إلى خلل جوهري أصاب واقع المسلمين، يتمثل في اختزال الدين ضمن نطاق فردي ضيق، حيث يظن الإنسان أن التزامه الشخصي كافٍ لتحقيق الغاية الإلهية، لكن الطرح القرآني يرفض هذا التصور، ويؤكد أن مجالات واسعة من تطبيق هدى الله لا يمكن أن تتحقق إلا ضمن كيان جماعي، فالآية الكريمة: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً} لا تدعو فقط إلى الوحدة الشكلية، بل تؤسس لوحدة وظيفية، يصبح فيها المجتمع كيانًا واحدًا متكامل الأدوار، تتوزع فيه المسؤوليات وتتكامل فيه الجهود.

الرسول صلوات الله عليه وعلى آله.. مركز الهداية للأمة لا للفرد

تُبرز الرؤية بُعدًا مهمًا في فهم دور الرسول صلوات الله عليه وعلى آله، حيث تؤكد أن كل ما أُعطي له من وحي وهدى وبيّنات، لم يكن امتيازًا شخصيًا، بل رسالة موجهة إلى الناس كافة، فالرسول صلوات الله عليه وعلى آله ليس محورًا منفصلًا عن الأمة، بل حلقة وصل بينها وبين هدى الله، وكل ما جاء به يصب في مصلحة الأمة وتعليم الناس وتزكيتهم، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وهذا الفهم ينسف التصورات الخاطئة التي تتعامل مع النبوة كحالة اصطفاء منفصلة عن واقع الناس، ويعيد توجيه البوصلة نحو أن الهداية مشروع جماعي يستهدف الأمة بأكملها.

خطورة الإعراض عن هدى الله

يحذر الشهيد القائد من أن الإعراض عن هدى الله لا يقود فقط إلى التقصير، بل إلى انحرافات عميقة في التفكير والعقيدة، حتى يصل الإنسان إلى تبني أفكار باطلة بوضوح، لو تأمل فيها لوجد بطلانها جليًا، هذا الانحراف لا يحدث فجأة، بل هو نتيجة غياب الوعي القرآني، وضعف اليقين، والانفصال عن المشروع الجماعي للأمة، ومن هنا، يصبح الارتباط الجماعي بالقرآن ضرورة لحماية الوعي من الانحراف، وليس مجرد خيار روحي.

“ولتكن منكم أمة” .. بناء الكيان الفاعل

تتجلى ذروة الطرح في تفسير قوله تعالى:
{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ}، حيث يوضح الشهيد القائد أن هذه الآية لا تتحدث عن أفراد متفرقين، بل عن أمة منظمة، تحمل مشروعًا متكاملًا يقوم على الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهنا تتحول المسؤولية من فعل فردي محدود إلى عمل مؤسسي جماعي، تتكامل فيه الأدوار، ويصبح الجميع كأنهم “شخص واحد” في مواجهة التحديات.

من العلم إلى اليقين .. الغاية النهائية للهدى

تؤكد الرؤية أن الهدف من هدى الله ليس مجرد إيصال المعلومات، بل بناء حالة من اليقين الراسخ، فالآيات ليست للعلم النظري فقط، بل لإيصال الإنسان إلى درجة الإيمان العميق الذي ينعكس سلوكًا وواقعًا، وفي هذا السياق، تنتقد الرؤية المطالب السطحية التي تبحث عن آيات إضافية أو مظاهر خارقة، في حين أن القرآن نفسه يحمل من البينات ما يكفي للوصول إلى اليقين، إذا ما تم التعامل معه بوعي ومسؤولية.

تكريم الإنسان .. في إطار المسؤولية الجماعية

تطرح الرؤية مفهومًا مميزًا لتكريم الإنسان، حيث لا يتمثل فقط في منحه العقل أو الحرية، بل في تحميله مسؤولية ضمن إطار جماعي، فهدى الله نزل للناس جميعًا، لأن أدوارهم مترابطة، ولا يمكن فصل مصير الفرد عن مصير الأمة، وهذا الفهم يعيد تعريف الكرامة الإنسانية باعتبارها مسؤولية، لا مجرد امتياز.

ختاما ..

تكشف هذه الرؤية عن تحول عميق في فهم الدين، من كونه ممارسة فردية إلى مشروع حضاري جماعي، فالمسؤوليات الكبرى في دين الله لا يمكن أن يحملها فرد واحد، بل تنهض بها أمة واعية، متماسكة، تتحرك كجسد واحد في سبيل تحقيق الهداية الإلهية في واقع الحياة، وبينما تعيش الأمة تحديات متراكمة، تقدم هذه الرؤية دعوة صريحة لإعادة بناء الوعي الجماعي، والانطلاق من القرآن كأساس لوحدة حقيقية، تتجاوز الشعارات إلى الفعل، وتترجم الإيمان إلى واقع حي.