أفق نيوز
الخبر بلا حدود

نقم…الجرح الذي لم يبرد.. عقد من الزمن على ابشع مجازر العدوان السعودي الأمريكي في صنعاء

50

أفق نيوز|

 يتذكر اليمنيون في الحادي عشر من شهر مايو كل عام بأسى جريمة العدوان الأمريكي السعودي في منطقة (نقم) بصنعاء، والتي ارتقى وأصيب فيها المئات من المدنيين الأبرياء.

أحد عشر عاماً، بمعنى أكثر من عقد من الزمن تكفي أن تكبر طفلة كانت في المهد وتصير أماً، وأن يهرم شاب ويصير جداً، لكنها لا تكفي لنسيان جراح لم تبرد بعد، وذاكرة مليئة بالأحزان، والألم، ويكفي أن سكان نقم لا يزالون يتوعدون إلى الآن بالثأر والانتقام من آل سعود وجرمهم العظيم.

وهناك في نقم، لا تزال الحجارة تحتفظ بذكريات من النزيف الدامي، ولا تزال الأمهات الثكالى يحفظن أصوات أطفالهن الصارخة تحت الأنقاض، كأنها سُجلت على شرائط لا تبلى، وفي قلوب الأهالي نار تشتعل منذ الحادي عشر من مايو 2015.

وتظل جريمة قصف منطقة نقم بالعاصمة صنعاء من أبشع جرائم العدوان الأمريكي السعوديّ بحق الشعب اليمني، فعند الساعة الخامسة من مساء يوم الاثنين، 11 مايو 2015م نفذ طيران العدوان غارات استهدفت جبل نقم الواقع في مديرية آزال، بأمانة العاصمة؛ بحجّـة أنه يحتـوي علـى مخـزن للأسلحة، مـع علـم تلـك الـدول أن الجبـلَ يقـعُ بالقـُرب مـن آلاف المنـازل والمبانـي المدنيـة، وأن تلـك المنطقـة مكتظـةٌ بالمدنييـن.

وَاسـتخدمت السعوديّةُ فـي قصفهـا لمنطقـة (نقـم) صواريـخَ وقنابـلَ محرَّمـة دوليًّا، أحدثت انفجاراتٍ هائلـةً جِـدًّا، وبعـد حوالـي نصـف سـاعة عـاودت الطائـرات الحربيـة التابعـة للسعوديّة وتحالفهـا القصـف ولكنهـا فـي هـذه الغـارة عـاودت محملـة بقنابـل وصواريـخ صنعـت لتدميـر المـدن وقتـل الأبرياء مـن الأطفال والنسـاء والمدنييـن، وقد أحدثـت تلـك الأسلحة انفجاراً ضخمـاً هـز العاصمـة صنعـاء، حَيثُ شـاهد سـكان العاصمـة كتلـة مـن النـار والدخـان والغـازات انبعثـت مـع الانفجار، وتصاعـدت تلـك الكتلـة إلى مسـتوى أعلى مـن قمـة جبـل نقـم الـذي يصـل ارتفاعـه إلى أكثر مـن كيلـو متـر، وقـد تـم توثيـق لحظـة وقـوع هـذا الانفجار بالصـور والفيديـو.

أســفر هــذا الاستهداف عــن ارتقاء ٢٦ مــن المواطنيــن المدنييــن بينهــم (٧) أطفال وَ(٨) نســاء، وأُصيب مئـات المواطنيـن بجـروح متفاوتـة أغلب الإصابات نتـج عنهـا بتـر أَو اسـتئصال أعضاء حيويـة مـن الجسـم، وعاهــات مســتديمة، وقــد وثق مركز عين الإنسانية (٢١٤) بينهــم (٣٩) طفــلاً وَ(١٦) امــرأة.

لم يكن هذا الحي السكني الهادئ يعلم أنه على موعد مع فصل جديد من فصول الإبادة الجماعية، فصل خططته أقلامُ الحقد في واشنطن ونفذته أيادٍ عميلة من الرياض، لم ترعَ حرمة الدماء ولا قداسة الأرواح.

وجاءت الجريمة، بالتزامن مع إعلان عن هُدنة هشَّة، كانت عدسة الكاميرا ترسم بالصوت والصورة ملامح جريمة حرب من ضمن عشرات الجرائم الكبرى بحق الإنسانية في اليمن.. أطفال رُضَّعٌ ونساء وكبار سن وأطفال من مختلف الأعمار حوَّلتهم الغارات إلى أكوام من اللحوم البشرية والأشلاء المتناثرة، والأجساد الممزقة، أشباح بلا بصيرة يفرون من الجحيم. من نجا منهم لا يعرف في أي اتّجاه، الكبير يتفقد الصغير ولا يكاد يراه في كثافة الدخان، وتصاعد النيران، وسماع أصوات الصراخ والاستغاثة من بين أنقاض لمنازل مدمّـرة بشكل كامل وأُخرى جزئية، أَو قائمة لكنها لم تعد آمنة.

العدسة تنقل مشهدًا للموت الجماعي المحتضر بأرواح سكان حي بكامل أركانه وأطرافه، بثماني غارات استخدم فيها العدوّ المجرم قنبلة محرمة ملأ شُعاعُها السماء وكادت أن ترسمَ علامةَ يوم القيامة حين تغرب الشمس من مشرقها، ومن حولها أذيال مشعة بصفار نار تكوي الناظرين صوبها، وتخيف من لمح وهجها.

أنقاض وذكريات وأرواح بريئة، ورائحة الدم والموت والبارود تتصاعد من وسط أعمدة الدخان واللهب والغبار، وصيحات ألم وبكاء الفاقدين تمتزج بأصوات سيارات الإسعاف.

طفل صغير، لم تتجاوز سنوات عمره أصابع اليد، يمسك بقطعة قماش مشبعة بدماء والدته الشهيدة، غيَّر لونَها إلى الأحمر، يحرك يدَيه على جسد لم يعد يتحَرّك، عيناه الصغيرتان لا تصدقان ما يراه.

امرأة مكلومة تجوبُ بين الركام، تنادي أسماءَ أطفالها كبارًا وصغارًا، وعلى بُعد أمتار يقع بصرها على جثة رضيعها، وجسد زوجها المحتضِن له قبل محاولة الخروج من المنزل بعد الغارة الرابعة، يعود لها طرفُها فتسقط على كومة المنزل فاقدة الوعي في مشهد أقربَ لكابوس، تتمناه أن يكون كذلك.

شهادات الناجين

شهادات الناجين ترسم لوحة قاتمة للرعب، علاء كامل، بصوت يرتجف، يتساءل: “لو أن الذي أطلق الصاروخ سمع بكاء النساء وصراخ الأطفال لما أقدم على هذه الجريمة”.. كلمات تختزل قسوة اللحظة، وتدين صَمَمَ القلوب التي تجاهلت أنينَ الأبرياء.

إبراهيم المفتي يضيف بمرارة: “الغبار الكثيف والنيران المشتعلة والركام والشظايا جعلت النزوح صعبًا… الكثير من المواطنين لم يستوعبوا ما حدث، صدمة وحيرة، تجمُدُ الدماءُ في العروق أمام هول مشهد الجريمة”.

أحمد جبير، يروي قصةَ ابنته التي فقدت عقلَها من شدة الفزع، ليضيفَ جُرحًا آخر إلى قائمة الجراح النازفة: “بسبب اليوم المرعب جراء غارات عدوانية أُصيبت ابنتي بالجنون وقمت بربطها خشية أن تفر”.. أية وحشية تلك التي تدفعُ طفلةً إلى الجنون وأبًا إلى تقييد فلذة كبده؟

تشابُهٌ في الآثار والسلاح

التقاريرُ الطبيةُ والحقوقية تكشفُ عن بُعدٍ آخر مروِّعٍ للمجزرة، تشابُهُ الإصابات بين ضحايا مجزرة نقم وضحايا مجزرة حي عطان، حَيثُ ثبت استخدام أسلحة نيترونية محرَّمة دوليًّا، يثيرُ تساؤلاتٍ مقلقة حول طبيعة الأسلحة التي استهدفت المدنيين الآمنين، هل كانت هذه القنابل تحملُ الموت فقط، أم أنها زرعت سُمُومًا ستبقى آثارُها لعقود قادمة؟

تحت سفح جبل نقم، كانت تعيش أحياء شعبيّة آمنة، تحولت في لحظات إلى ساحة للموت والدمار.

 تقرير اللجنة الوطنية لتوثيق جرائم العدوان يصف كيف امتدت آثارُ التفجيرات الوحشية إلى مناطقَ بعيدة، وكيف غطَّى الجبل الرحيم على بعض السكان من الحمم والشظايا، لكنه لم يستطع حمايتهم من الرعب الذي خلَّفته “الأسلحةُ الفتاكة التي أُلقيت بحقدٍ بالغ”.

في حارة السد، حَيثُ تتلاصق البيوت وتتداخل الحكايات، وجد فريق التوثيق قصصًا تقشعر لها الأبدان، أبواب منازل مخلوعة كأنها أُصيبت بالرعب، وقلوب كانت تبكي وتصرخ بحثًا عن مخرج من جهنم التي أشعلها العدوان.

علاء حسين الكامل يروي كيف شاهد الصواريخ الأولى تهز الحي، وكيف تناثر الناس في خوف، وكيف كانت الطائرات تسقط أسلحة لم يرَ مثلها من قبل، أسلحة كبيرة الحجم تحمل الموت الشامل.

وجع علاء لم يكن على نفسه، بل على النساء والأطفال الذين أصابهم الرعب، كلماته البسيطة تحمل عتبًا عميقًا: “لو أن الذي فوق الطائرة المحملة بالصواريخ والقنابل سمع بكاء النساء وصراخ الأطفال وخوف الشيوخ… لربما رق قلبه وعاتبه دينه ومنعه قرآنه عن أن يفعل بنا ما فعله”.

حتى المدرسة، التي يُفترَضُ أن تكونَ ملاذًا آمنًا، لم تسلم من آثار الجريمة، أمام بوابة مدرسة غمدان، كان محسن صالح الضالعي يردّد بحسرة: “هنا ابني، لم نجد إلا بقايا دماء”.. ابنه عبد الرحمن، طالب الصف التاسع، لم يبلغ السادسةَ عشرةَ، أُصيب بشظية بترت ساقَه وهو يحاول الهربَ مع أمه وأخواته من الغارات المتتالية، أمه أُصيبت هي الأُخرى، ورحلة البحث عن علاج تحوَّلت إلى معاناة مضاعفة؛ بسَببِ اكتظاظ المستشفياتِ بالجرحى.

حتى بيوتُ الله لم تَسْلَمْ من هذا العدوان الغاشم. مسجد الذكر، الذي لجأت إليه النساءُ؛ ظنًا منهن أنه مكان آمن، أصابه صاروخ آخر، ليطيّر النساء هاربات من الشظايا وجبروت العدوان الذي لم يحترم حُرمةَ المكان.

في ثلاجة الموتى بمستشفى الثورة، رقدت ثماني جثث مجهولة الهُوية، بعضُها تفحَّم، وبعضها تناثر دماغُه، والبعض الآخر مفصول الرأس، احتاج الأهالي عددًا من الأيّام؛ للتأكّـد من جثامين أقرابهم المفقودة، صور مروِّعة تجسدُ وحشيةَ الجريمة وتنزع عن مرتكبيها أيةَ صفةٍ للإنسانية.

وبعد مرور أكثر من عشر سنوات على مجزرة نقم النيترونية، ما زالت الذاكرة تحتفظُ بصور الجثث المتناثرة، والأشلاء الممزَّقة، والجرحى الملقَين بين الأنقاض، أطفال ناجون كبروا وعاشوا بلا أُمهات، بعضُهم هو اليوم في مقدمة صفوف مجاهدي الجيش اليمني، وأُمهاتٌ ثكالى بلا أبناء ولا أزواج.

الدماء التي سالت يومها ما زالت وصمةَ عار على جبين الإنسانية

اليوم، ونحن نستحضرُ هذه الذكرى الأليمة، فَــإنَّنا لا نستعرضُ فصولًا من الماضي فحسب، بقدر ما نطالبُ المجتمعَ الدولي بأسره بتحمُّلِ مسؤولياته الأخلاقية والقانونية، نطالبُ بتقديم مرتكبي هذه الجرائم البشعة إلى محكمة الجنايات الدولية؛ لينالوا جزاءَهم العادل على ما اقترفت أيديهم من فظائع.

دماءُ شهداء نُقُم وكل ضحايا العدوان السعوديّ الأمريكي على اليمن لن تذهبَ سدى، وصوتُ العدالة سيظلُّ يلاحقُ الجناةَ حتى ينتصرَ الحقُّ وتُشفى الجراح، وحالةُ التهدئة بيننا وبين العدوّ مُستمرّة، وشعبنا وقيادتنا وجيشنا على أتمِّ الجهوزية لإنصاف أهالي الضحايا، وتوجيه بُوصلة العداء الحقيقي نحو الدافعِ والمشجِّع اليهودي الإسرائيلي الأمريكي الذي يرتكبُ المجازرَ ذاتها اليومَ بحق أهلنا في غزة واليمن.