أفق نيوز
الخبر بلا حدود

مصر بين ضغوط الخليج وفخّ الحرب مع إيران

44

أفق نيوز| جميل المقرمي

في خضمِّ التصعيد المتسارع من المحور الأمريكي “الإسرائيلي” ضد إيران، تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة إعادة تموضع استراتيجي شامل، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية، والرسائل الاستخباراتية، وحرب النفوذ بين العواصم الإقليمية.

وفي قلب هذا المشهد، برزت الخطوة المصرية بإرسال قوة جوية رمزية إلى الإمارات كحدث أثار جدلًا واسعًا ومحاولات متباينة لقراءته وتفسيره.

لكن القراءة العميقة للمشهد تكشف أن ما جرى لا يمكن فصلُه عن حالة القلق الخليجي المتنامي بعد اتساع دائرة المواجهة مع إيران، ولا عن الضغوط التي مورست على القاهرة خلال الأيّام الماضية عبر حملات إعلامية منظمة حاولت تصوير الموقف المصري وكأنه تخاذل عن حماية المصالح الأمريكية في الخليج.

اللافت أن أدوات الضغط لم تكن عسكرية بقدر ما كانت اقتصادية وسياسية، فالإمارات ومعها بعض الأنظمة الخليجية تدرك أن مصر تمر بمرحلة اقتصادية حسّاسة، وأن مِلفَّ الاستثمارات والودائع يمثل ورقة ضغط فعالة يمكن استخدامها لدفع القاهرة نحو اصطفافات أكثر وضوحًا داخل معسكر المواجهة مع إيران.

غير أن المؤسّسة العسكرية المصرية تاريخيًّا تتعامل بعقلية مختلفة تمامًا عن المزاج الانفعالي السائد في بعضِ العواصم الخليجية، فالقاهرة تدرك أن الانخراطَ المباشرَ في حرب مفتوحة ضد إيران مغامرة استراتيجية قد تعيد تشكيل المنطقة لعقود، وتفتح أبواب استنزاف لا يمكن التحكم بمآلاتها.

ولهذا، فإن إرسال وحدة رمزية من سلاح الجو المصري إلى الإمارات يبدو أقربَ إلى خطوة توازُنٍ سياسي ورسالة طمأنة للحلفاء الخليجيين، أكثرَ منه استعدادًا فعليًّا للمشاركة في أية عمليات هجومية ضد إيران، فالمشهد برمته يحملُ طابعَ الاستعراض السياسي ومحاولة حفظ تماسُكِ المحور الخليجي في لحظة يشعر فيها الجميعُ بأنهم أمام اختبار وجودي غير مسبوق.

زيارةُ السيسي وظهورُه مع محمد بن زايد بالتزامن مع وصول القوة الجوية المصرية، تعكسُ بوضوحٍ أن الهدفَ الأَسَاسيَّ هو صناعةُ صورة سياسية وإعلامية توحي بوحدة الموقف العربي، أكثر من كونها إعلانًا عن تحالف عسكري هجومي، فالقاهرة تدرك أن أي تورط مباشر في الحرب سيضعها أمامَ تهديدات أمنية واقتصادية هائلة تبدأ من البحر الأحمر، ولا تنتهي عند الداخلِ المصري نفسه.

أما كِيانُ الاحتلال “الإسرائيلي”، فهو الطرف الأكثر اندفاعًا نحو توسيع دائرة المواجهة؛ لأنه يدرك أن استنزاف إيران وحدَها لا يكفي، بقدر ما يسعى إلى جَرِّ أكبر عدد ممكن من الأنظمة العربية إلى قلب المعركة، لتحويلِ الحرب من مواجهة إسرائيلية أمريكية مع إيران إلى حرب إقليمية شاملة تتقاسم فيها العواصمُ العربية الكُلفة العسكرية والسياسية والاقتصادية.

ومن هنا يمكن فَهْمُ الضغوط التي مورست على مصر، فكِيان الاحتلال يدرك أن غيابَ القاهرة عن أي تحالف هجومي يُضعِفُ مشهدَ الاصطفاف الإقليمي، ويكشفُ حجمَ التردّد داخل المعسكر العربي نفسه، لذلك جرى تحريكُ أدوات الإعلام والابتزاز الاقتصادي لإجبار النظام المصري على تقديم ولو غطاءٍ رمزي للمواجهة.

لكن من الناحية العسكرية البحتة، فإن أية مشاركة مصرية محدودة لن تغيِّر شيئًا في ميزان القوى، فإيران ليست دولةً معزولة أَو منهكة كما كان حالُ العراق أَو أفغانستان، بل تمتلك منظومةً صاروخية ضخمة، وبنية عسكرية موزعة، وقدراتٍ عالية على امتصاص الضربات وإدارة حرب استنزاف طويلة.

والأهم أن التجربةَ أثبتت أن التفوُّقَ الجوي الأمريكي والإسرائيلي، رغم ضخامته، لا يكفي وحدَه لإسقاط الأنظمة أَو إنهاء القدرات العسكرية للدول المستهدَفة، فبعدَ سنوات من العقوبات والاغتيالات والضربات المركزة، لا تزال إيران تحتفظُ بقدرتِها على الرد والمناورة وفرض معادلات ردع معقدة.

لذلك، فإن ما يجري اليوم ليس تحضيرًا لحربٍ حاسمة بقدر ما هو صراعُ إرادات ومحاولةٌ لإعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة عبر الضغط النفسي والإعلامي والسياسي، أكثر من الحسم العسكري المباشر.

وفي هذا السياق، تبدو القاهرة وكأنها تحاولُ السيرَ فوق حبل مشدود، فهي لا تريدُ خسارةَ الدعم الخليجي، ولا ترغب في الدخول في حرب لا تملكُ ترفَ تحمل نتائجها، ولهذا اختارت سياسةَ الحضور الرمزي دون الانخراط الحقيقي، وهي سياسةٌ تعكسُ براغماتية المؤسّسة المصرية أكثر مما تعكسُ قناعةً بالمواجهة.

المرحلة القادمة ستكشفُ ما إذَا كانت المنطقةُ تتجهُ نحوَ انفجار واسع أم نحو إعادة إنتاج توازنات الردع القديمة، لكن المؤكّـد أن ما يجري اليوم يؤسِّسُ لتحولاتٍ كبرى ستغيِّرُ شكلَ التحالفات وموازين القوة، وربما تعيد تعريفَ مفهوم الأمن الإقليمي في المنطقة بأكملها.