قراءة في بيان مسيرات : “نصرة للقرآن والأقصى وتضامنًا مع لبنان وتأكيدًا على الجهوزية”
أفق نيوز| طارق الحمامي
يشكل البيان الصادر عن مسيرات “نصرة للقرآن والأقصى وتضامنًا مع لبنان وتأكيدًا على الجهوزية” قراءةً متكاملة لطبيعة المرحلة التي تمر بها الأمة الإسلامية، في ظل تصاعد الاعتداءات الصهيونية على المقدسات الإسلامية، واستمرار العدوان على الشعب الفلسطيني، واتساع دائرة الاستهداف الأمريكي والإسرائيلي لمحور المقاومة وقوى التحرر في المنطقة، ويحمل البيان في مضامينه أبعادًا عقائدية وسياسية وتعبوية واستراتيجية، تعكس حجم الوعي الشعبي المتنامي تجاه طبيعة الصراع، كما تؤكد انتقال الموقف الشعبي من حالة التضامن الوجداني إلى مستوى الجهوزية العملية والاستعداد للمواجهة في مختلف المجالات.
مركزية القرآن الكريم في معركة الأمة
جاءت إدانة الإساءات المتكررة للقرآن الكريم في مقدمة البيان، باعتبار القرآن ليس مجرد كتاب مقدس لدى المسلمين، بل هو أساس الهوية الحضارية والعقدية للأمة الإسلامية، ويكشف التركيز على هذه القضية عن إدراك عميق بأن الحرب على القرآن تمثل حربًا على وعي الأمة وقيمها وثوابتها، وأن حملات الإساءة المنظمة ليست أحداثًا عفوية أو فردية، وإنما تأتي ضمن مشروع يستهدف سلخ المسلمين عن مرجعيتهم الدينية والأخلاقية، كما أن الربط بين الإساءة للقرآن وتدنيس المسجد الأقصى يحمل دلالة واضحة على وحدة المعركة ضد المقدسات الإسلامية، وأن الاعتداء على القرآن والأقصى يأتي في سياق مشروع عدائي واحد يستهدف الإسلام والأمة في عقيدتها وهويتها ووجودها الحضاري.
تحميل الأمة مسؤولية التحرك وعدم الصمت
البيان لم يكتفِ بالتنديد والإدانة، بل تجاوز ذلك إلى الدعوة المباشرة لتحرك الأمة الإسلامية، عبر تكثيف حملات المقاطعة والخروج في مسيرات مليونية غاضبة، وهذا يعكس انتقال الخطاب من دائرة ردود الفعل المؤقتة إلى محاولة بناء حالة جماهيرية مستدامة تتبنى خيار المواجهة الشعبية والاقتصادية والثقافية مع العدو، كما أن الدعوة للمقاطعة تحمل أبعادًا استراتيجية، باعتبارها إحدى أدوات الضغط الفاعلة التي أثبتت قدرتها على إرباك الكيان الصهيوني والشركات الداعمة له، إضافة إلى دورها في تعزيز الوعي الشعبي بخطورة الاختراق الاقتصادي والثقافي للأمة، ويؤكد البيان أن الصمت تجاه هذه الجرائم والإساءات لم يعد مقبولًا، وأن مسؤولية النصرة تقع على عاتق الشعوب الإسلامية كافة، وليس على الفلسطينيين وحدهم.
تأكيد وحدة ساحات المواجهة
من أبرز الدلالات السياسية في البيان تأكيده التضامن مع غزة ولبنان والأسرى الفلسطينيين، والإشادة بمواقف قوى المقاومة وفي مقدمتها كتائب القسام وحزب الله، ويعكس ذلك قناعة متزايدة بأن المعركة لم تعد محصورة داخل فلسطين، بل أصبحت مواجهة إقليمية واسعة بين مشروع الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية وبين قوى المقاومة والتحرر في المنطقة، كما أن تعزية كتائب القسام باستشهاد القائد المجاهد عز الدين الحداد تحمل رسالة وفاء وتقدير لرموز المقاومة، وتأكيدًا على أن خيار الجهاد والمقاومة لا يتوقف باستشهاد القادة، بل يزداد حضورًا وتأثيرًا، وفي المقابل، فإن الإشادة بمواقف حزب الله تؤكد الإيمان بوحدة المعركة والمصير المشترك، وأن أي استهداف لقوى المقاومة في لبنان أو فلسطين أو غيرهما هو استهداف للأمة بأكملها.
الجهوزية كرسالة ردع استراتيجية
من أهم مضامين البيان تأكيد “الجهوزية التامة تجاه أي تطورات أو تصعيد جديد لأمريكا وإسرائيل”، وهذه العبارة تحمل أبعادًا استراتيجية وعسكرية وسياسية بالغة الأهمية، إذ تعكس حالة الاستعداد الدائم لمواجهة أي تصعيد محتمل، كما تمثل رسالة ردع واضحة بأن قوى المواجهة ليست في حالة انتظار أو ارتباك، بل في موقع الاستعداد واليقظة، كما تكشف هذه الرسائل عن إدراك عميق لطبيعة المرحلة المقبلة، في ظل احتمالات توسع دائرة العدوان الإسرائيلي والأمريكي على مستوى المنطقة.
ويشير البيان إلى أن حالة الجهوزية لا تقتصر على الجانب العسكري فقط، وإنما تشمل الجوانب التعبوية والشعبية والثقافية والإعلامية، بما يضمن بقاء المجتمع حاضرًا في معركة الوعي والثبات.
ترسيخ الهوية الإيمانية في مواجهة الحرب الناعمة
البيان ركز بصورة لافتة على أهمية التمسك بالقرآن والحفاظ على الهوية الإيمانية والحذر من “الحرب الناعمة”، وهذا يكشف عن وعي متقدم بأن الصراع لا يقتصر على المواجهة العسكرية، بل يمتد إلى معركة الوعي والقيم والثقافة، فالحرب الناعمة ـ بحسب ما يعكسه البيان ـ تستهدف تفكيك المجتمعات من الداخل، وإضعاف ارتباطها بعقيدتها وقضاياها الكبرى، عبر وسائل الإعلام والثقافة والتضليل والحرب النفسية. ومن هنا، فإن التأكيد على الهوية الإيمانية يمثل تحصينًا للمجتمع من الاختراق الفكري والثقافي، ويعزز مناعة الأمة في مواجهة مشاريع الهيمنة والاستهداف.
البعد التعبوي والاجتماعي في دعم الجبهات
الدعوة إلى المشاركة الفاعلة في “القافلة العيدية” دعما للمرابطين في جبهات المواجهة تكشف عن البعد الشعبي والتكافلي في مشروع الصمود، فالبيان لا ينظر إلى المعركة باعتبارها مسؤولية المقاتلين فقط، بل مسؤولية مجتمع كامل يشارك فيها بالدعم والإسناد والتكافل، كما تعكس هذه الدعوات أهمية الجبهة الداخلية في معادلة المواجهة، وأن تماسك المجتمع وتفاعله الشعبي يمثل أحد أهم عناصر القوة والثبات.
الثبات على الموقف باعتباره خيارًا عقائديًا وأخلاقيًا
يؤكد البيان أن الموقف المساند لفلسطين وغزة ليس موقفًا سياسيًا عابرًا أو مرتبطًا بحسابات ظرفية، وإنما هو موقف “قرآني وديني وأخلاقي”، وهذا يمنح القضية بعدًا مبدئيًا ثابتًا، ويعزز حالة الاستمرارية والثبات مهما بلغت التحديات والضغوط، كما أن التأكيد على الحضور “تحت راية قائد الثورة” يعكس مركزية القيادة في إدارة الموقف الشعبي والتعبوي، وأهمية الالتفاف الشعبي حول مشروع المواجهة باعتباره خيارًا يحفظ كرامة الأمة وهويتها.
ختاما ..
يعكس بيان مسيرات “نصرة للقرآن والأقصى وتضامنًا مع لبنان وتأكيدًا على الجهوزية” حالة متقدمة من الوعي الشعبي والسياسي بطبيعة الصراع القائم في المنطقة، ويؤكد أن الأمة تواجه مشروعًا يستهدف دينها ومقدساتها وهويتها وسيادتها، كما يكشف البيان عن تماسك الموقف الشعبي الداعم لفلسطين وقوى المقاومة، وعن قناعة راسخة بأن مواجهة المشروع الأمريكي الإسرائيلي تتطلب الثبات، والجهوزية، ووحدة الموقف، والتحرك الجماهيري الواسع، وفي ظل استمرار الاعتداءات على غزة والمقدسات الإسلامية، يبرز البيان بوصفه رسالة تعبئة وصمود، تؤكد أن معركة الأمة ليست معركة حدود وجغرافيا فقط، بل معركة وجود وهوية وقيم ومقدسات.