أفق نيوز
الخبر بلا حدود

ولاية الإمام علي هي الحصن الحقيقي من السقوط في مستنقع الصهيونية

36

أفق نيوز|  د. نبيل عبدالله القدمي

​يأتي يوم الغدير ليجدد في وجدان الأمة الإسلامية ذكرى واحدة من أعظم المحطات التاريخية والمفصلية في مسيرة الرسالة المحمدية؛ إنها الذكرى التي تتجاوز حدود الزمن لتضع الأمة أمام مسؤوليتها الدينية والتاريخية. وتؤكد الشواهد التاريخية والحديثية المتواترة أن “حديث الغدير” يمثل القمة في صحة الرواية، وقوة الأسناد، وإجماع الأمة، وتواتر النقل. فلم يكن الوقوف في “غدير خم” بعد حجة الوداع، وفي ذلك المنعطف الجغرافي ومفترق الطرق وقبل أن يتفرق الحجيج، خطوة عفوية أو تدبيراً بشرياً؛ بل كان استجابة مباشرة لأمر إلهي حاسم وصريح حمله الوحي السماوي لرسول الله صلوات الله عليه وعلى آله. وفي ذلك المحفل المشهود، الذي ضم بحسب الروايات قرابة مائة وعشرين ألف حاج، أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ببناء منصة من أقتاب الإبل، لكي يرى الجميع ويسمع منه الجميع في أكبر تجمع إسلامي شهدته تلك الحقبة، ليكون البيان عاماً، قاطعاً، وغير قابل للتأويل أو الإنكار.

​ولم يكن هذا البلاغ النبوي مجرد مجاملة لعلي بن أبي طالب عليه السلام، أو رغبة شخصية في تقديم ابن عمه وصهره، بل كان وحياً يوحى وقضاءً إلهياً حكيماً لربط الأمة بمسار القيادة الإيمانية؛ حيث أعلن الرسول الأكرم في خطبته التاريخية الشهيرة: “من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله”. وعقب هذا البيان الواضح، تقدم كبار الصحابة الأوائل قائلين: “بخٍ بخٍ لك يا ابن أبي طالب، أصبحت مولانا ومولى كل مؤمن ومؤمنة”، مما شكل إقراراً صريحاً بالحجة والبراهين الواضحة التي ألزم الله بها عباده في ذلك التوقيت الدقيق من عمر الرسالة، ولم يروَ حديث عبر مئات الصحابة بتلك الكثرة والتواتر إلا حديث الغدير.

​إن القراءة الواعية للأحداث تؤكد أن التمسك بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الولاية كان كفيلاً بحفظ وحدة الأمة ومنع تفرقها، ومخالفة رسول الله هي في الحقيقة مخالفة لله سبحانه وتعالى كونه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. واليوم، يتجلى هذا الترابط بوضوح عيان في الواقع المعاصر؛ فمن يسير على نهج تولي الإمام علي عليه السلام يقف اليوم بكل شجاعة وعزة في وجه قوى الاستكبار العالمي المتمثلة في أمريكا وإسرائيل وطغاة الأرض. وعلى النقيض تماماً، نجد أن التخلي عن هذا الحصن الإيماني قاد البعض إلى السقوط في مستنقع التبعية والباطل، مصداقاً لما بيّنه الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه بقوله: “من يرفض ولاية الإمام علي سوف يتولى أمريكا وإسرائيل”، وهو ما نراه شاخصاً اليوم في مواقف دول الخليج وأنظمة أخرى تخلت عن ولاية الحق، واندفعت نحو مواجهة وموالاة رموز الاستكبار والصهيونية مثل ترامب ونتنياهو، مما يثبت أن ولاية الإمام علي عليه السلام هي الحصن الحقيقي والدرع الواقي للأمة من الانزلاق في مستنقع موالاة الكفار والمنافقين.

​والحمد لله الذي جعلنا ممن يتولى الإمام علي عليه السلام وأعلام الهدى من بعده، مع إدراكنا التام بأن هذا “التولي” ليس مجرد شعار يُرفع أو لقلقة لسان تُردد، بل هو تجسيد عملي لمنهج الإمام علي في الاستقامة التامة لله سبحانه وتعالى، والإيثار، والتضحية، والعطف على الفقراء والمساكين، وإقامة العدل، وإنصاف الناس، والإحسان إليهم. فمن يدعي الولاية بلسانه بينما تسير أعماله وسلوكه على خطى معاوية ويزيد في الظلم والفساد، فهو في الحقيقة يتخذ موقف العداء لله ورسوله وللإمام علي، وليس له ولياً.

​إن هذه المناسبة العظيمة تفرض علينا أن نستلهم المواقف والعبر من شخصية أمير المؤمنين؛ من علمه الواسع، وشجاعته الإيمانية الفذة، ومقارعته للطغاة والكافرين، ورأفته بالمستضعفين. ونقول لمن ينكر هذه الولاية أو يتجاهلها بأن عليه أن يقرأ بتجرد، فحديث الولاية حقيقة مشهودة في أمهات كتب الحديث والتاريخ، يدعمها الميزان النبوي الثابت والواضح الذي لا يأتيه الباطل: “لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق”، سائلين الله تعالى أن يثبتنا على ولاية أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام سلوكاً وموقفا وعملاً.