أفق نيوز
الخبر بلا حدود

المقاومة تُعلّق “اتفاق الإطار” على مشانق الميدان.. وطوفان الـ 24 مليوناً يفرض “العقيدة الهجومية”

41

أفق نيوز| تقرير| طلال نخلة 

تتداخل تطورات اليوم التاسع عشر لتوقيع مذكرة التفاهم لتؤسس لحقيقة ميدانية وسياسية حاسمة: الولايات المتحدة، التي اضطرت للقبول بمعادلة الردع في تفاهمها مع طهران، تسعى الآن إلى إفراغه من مضمونه الفعلي عبر البوابة اللبنانية وباستخدام اتفاق سلطة عون ونتنياهو. غير أن هذه المناورة اصطدمت بحتميات الميدان الصلبة؛ فاحتمال العودة إلى الاشتباك الواسع بات مرتفعاً جداً ولكن دون غطاء عسكري هجومي أمريكي مباشر، مع قرار المقاومة الحاسم بمعاودة العمل الميداني والنشط في الجنوب اللبناني.
وفي حين تؤكد وقائع الميدان أن مسار التحرير سيكون طويلاً وشاقاً وبحاجة لتضافر ظروف غير متوفرة حالياً بسبب التواطؤ الداخلي، تبرز من طهران مشهدية تاريخية بـ 24 مليون مشيع فرضت انتقال القيادة الإيرانية إلى “النهج الهجومي” غير المساوم، في وقت يغرق فيه الكيان الإسرائيلي في أزمات تجنيد حادة دفعت به لتسريح 10 آلاف جندي، وتصاعد رعب الحرب الأهلية في الداخل الصهيوني.

أولاً: استفتاء الـ 24 مليوناً.. طهران تنتقل إلى “النهج الهجومي”

شكلت الإحصاءات الرسمية لمراسم وداع وتشييع الإمام الشهيد علي خامنئي في طهران نقطة تحول إستراتيجية أسقطت كلياً الحسابات الغربية التي راهنت على تآكل الجبهة الداخلية بعد الاغتيال:

الرقم القياسي في تاريخ البشرية: أظهرت دراسة استقصائية غير رسميّة (للباحث عبد الرضا داوري) أن مجموع المشاركين في مراسم الوداع وصلاة الجنازة على مدى 40 ساعة في طهران قد بلغ 24 مليون شخص (على مساحة 800 ألف متر مربع، وبمعدل 16 مليون رحلة مترو). هذا الحشد، الذي وثقته صحف “الغارديان” و”فايننشال تايمز” كأحد أكبر التجمعات في التاريخ الحديث، منح القيادة الإيرانية شرعية مطلقة للانتقال إلى مرحلة ما بعد الاستيعاب.

«اللاءات الهجومية» لقاليباف وإيجئي: استند رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إلى هذا التفويض الشعبي ليعلن من طهران (خلال لقائه برئيس وفد حماس محمد درويش) قطعياً: “لسنا في سلام مع الولايات المتحدة، ولن نعترف رسمياً بإسرائيل”، مؤكداً أن حماية لبنان وجبهة المقاومة خط أحمر لا مساومة عليه. وتكامل ذلك مع إعلان رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي الانتقال إلى “النهج الهجومي في الساحة الدبلوماسية والعسكرية”، مؤكداً عدم التراجع قيد أنملة عن مطالب إيران وحقوقها.

اعترافات العدو وسقوط تهديدات كاتس: أمام هذا المشهد، كشف موقع “والاه” العبري أن تقديرات الجيش الإسرائيلي تؤكد أن النظام والحرس الثوري “بعيدان كل البعد عن الانهيار وبدآ بالفعل عملية إعادة الإعمار الشاملة”. هذا الاعتراف الإسرائيلي يجعل من التهديدات الجوفاء لوزير الدفاع يسرائيل كاتس (“سنقتل كل قائد إيراني…”) مجرد مكابرة إعلامية تغذي غضب المشيعين الذين رشقوا صور ترامب بالحجارة ورفعوا رايات الثأر.

ثانياً: جبهة لبنان.. العودة للعمل في “الخط الأصفر” وسحق وصاية “القائمة الإسرائيلية”

شهد الميدان اللبناني والمسار السياسي المرتبط به تطورات حاسمة تعكس صراعاً وجودياً وبنيوياً ممتداً، سيسقط خلاله الملحق الأمني السري لاتفاق بعبدا – واشنطن:

الإنذار القاطع للمقاومة (فيتو الحديد والنار): كشفت معلومات أن الجيش اللبناني، بطلب من السلطة السياسية، توجه إلى حزب الله بطلب إخلاء مناطق محددة في الجنوب لتسليمها تحت عنوان “مناطق تجريبية”. جاء جواب المقاومة بالرفض القاطع والحاسم وبلهجة عسكرية صارمة مفادها: “من يحاول التقدم أو الاقتراب ستُكسر يداه وقدمه”. هذا الموقف يمثل إعلاناً ميدانياً عن سقوط مرحلة المراقبة وبدء معاودة المقاومة لعملياتها المباشرة داخل “الخط الأصفر”.

بري يدفن الاتفاق وانكشاف السلطة: بالتزامن مع الصد الميداني، أطلق رئيس مجلس النواب نبيه بري رصاصة الرحمة الدستورية على “اتفاق الإطار”، مؤكداً أمام زواره أنه “يتعامل مع الاتفاق على أنه غير موجود ولا يرتب أي التزام على لبنان طالما أنه لم يعبر المؤسسات الدستورية”. هذا الموقف يتقاطع مع تصريحات وزير العمل السابق مصطفى بيرم والنائب إيهاب حمادة، اللذين اتهما السلطة بالتنازل عن السيادة ومنح إسرائيل صك براءة يغطي جرائمها، وآخرها اغتيال المربية إسبرنزا غندور وزوجها في النبطية الفوقا.

فضيحة «القائمة الإسرائيلية» واللواء المشبوه: بلغ الانتهاك السيادي ذروته مع كشف هيئة البث الإسرائيلية (كان) أن تل أبيب سلمت بيروت رسمياً قائمة بأسماء ضباط كبار في الجيش اللبناني ترفض تواجدهم في الجنوب بزعم “ولائهم للمقاومة”. وتزامن ذلك مع معلومات عن بدء تشكيل “لواء أمني خاص” ذي لون طائفي محدد، يخضع لتدريب أمريكي – بريطاني بهدف الصدام مع المقاومة ونزع سلاحها بحلول نهاية الصيف.
 هذه التطورات دفعت السفير البريطاني السابق كريغ موراي لوصف الرئيس عون بأنه يقود “نظاماً عميلاً يخون شعبه ومجتمعه”، بينما حذر النائب جبران باسيل من سلطة “تمنح الغطاء للاحتلال”.

عجز التطهير في “الخط الأصفر”: رغم دفع جيش الاحتلال بدبابات ميركافا وجرافات D9 إلى قلب بلدة حداثا وادعاء فرض “سيطرة عملياتية”، وتدمير 90 بنية تحتية ونسف الأحياء في حولا وكفرتبنيت وعيترون، اعترفت القناة 12 العبرية نقلاً عن مصادر أمنية بصراحة: “لا يزال لدى حزب الله عناصر ومقاتلون داخل الخط الأصفر (بنت جبيل، دير سريان، مجدل زون).. والقضاء عليهم ليس أمراً يمكن تحقيقه في فترة وجيزة”.

ثالثاً: مأزق تل أبيب.. تسريح 10 آلاف جندي ورعب الحرب الأهلية

في الوقت الذي يجهد فيه نتنياهو للبحث عن “صورة انتصار”، تتهاوى أركان المؤسسة العسكرية والمجتمعية للكيان من الداخل:

الانهيار المالي والبشري للجيش: كشفت صحيفة “يسرائيل هيوم” أن الجيش الإسرائيلي يستعد مجبراً لتسريح حوالي 10,000 جندي احتياط بنهاية الشهر الحالي بسبب أزمة ميزانية خانقة، لينخفض عدد المداومين من 60 ألفاً إلى 50 ألفاً. وتتزامن هذه الفجوة مع مهلة 10 أيام فقط تفصل الكنيست عن الحل المحتمل، ما يعني عجزاً عن تمديد الخدمة النظامية ونشوء نقص بآلاف الجنود يعيق تنفيذ المهام العملياتية. هذا الواقع دفع أفيغدور ليبرمان لإطلاق حكمه القاسي: “من لم يتمكن من الحسم طوال 1000 يوم في أي جبهة، لن يتمكن من الحسم أبداً”.

استعطاف ترامب والذعر من تركيا: أشارت تحليلات صحيفة “معاريف” إلى أن مقابلتي نتنياهو المتتاليتين مع قناة “فوكس نيوز” لم تكونا موجهتين للجمهور، بل لمشاهد واحد هو دونالد ترامب. نتنياهو حاول تبرير تآكل الدعم الغربي، ومداهنة ترامب بنفي الخلافات، والتحريض علناً ضد تركيا لمنع تزويدها بمقاتلات (F-35) واعتبار أردوغان “مشكلة أمريكية”، في محاولة استباقية للتأثير على القمة المرتقبة بين ترامب وأردوغان في الناتو.

شبح الحرب الأهلية والاغتيال: داخلياً، أظهر استطلاع معهد سياسة الشعب اليهودي (JPPI) أرقاماً مرعبة عن التفكك الصهيوني؛ حيث يرى 60% من الإسرائيليين خطراً ملموساً وحقيقياً لاندلاع حرب أهلية، وأعرب 49% عن تشاؤمهم المطلق بالمستقبل، بينما توقع 52% وقوع اغتيال سياسي لرئيس حكومة أو شخصية سياسية كبيرة.

رابعاً: تحصين المحور.. إنذار باب المندب واستمرار الإخلاء الأمريكي الصامت

تتكامل جبهات المقاومة لفرض طوق حماية ملاحي وسيادي يواكب التحولات السياسية:

إنذار باب المندب الصارم: وجهت القناة الرسمية للقوات المسلحة اليمنية إنذاراً نهائياً للسعودية والأمم المتحدة، مهددة بـ إغلاق مضيق باب المندب والبحر الأحمر حتماً في وجه السفن السعودية في حال عدم رفع الحصار البحري والجوي. وجاء هذا التهديد مدعوماً بالفعل الميداني بعد إطلاق الدفاع الجوي اليمني صواريخ أجبرت الطائرات الحربية السعودية على مغادرة الأجواء، تأميناً لهبوط رحلات شركة “ماهان” الإيرانية المدنية في مطار صنعاء.

استمرار الإخلاء الأمريكي اللوجستي: في المقابل، وبينما تنشغل واشنطن بالتحضير لقمة الناتو في أنقرة (عبر إرسال 11 طائرة شحن C-17 وطائرات قيادة E-4B)، كشفت أجهزة التتبع الملاحي (OSINT) عن هبوط طائرتي شحن أمريكيتين (Kalitta Air و Atlas Air) في قاعدة “ليكنهيث” البريطانية قادمتين من قاعدة “موفق السلطي” في الأردن، في رحلة إخلاء ونقل لمعدات أسراب المقاتلات الهجومية (492nd و 495th) التي جرى سحبها من المسار الإقليمي، ما يؤكد استمرار واشنطن في إخلاء أصولها التكتيكية من دائرة الاستهداف المباشر.

الخلاصة والمآلات الاستراتيجية

تؤكد معطيات اليوم التاسع عشر الحقيقة الإستراتيجية التي ستحكم سير الأحداث القادمة: إن محاولات الإدارة الأمريكية لتفريغ تفاهمها الإقليمي مع طهران عبر توظيف التواطؤ اللبناني-الإسرائيلي في “اتفاق الإطار” لن تصمد أمام وقائع الميدان.
احتمال استئناف الحرب ومواجهات الاستنزاف بات مرتفعاً جداً، لكنه سيخاض هذه المرة دون أي تدخل عسكري أو غطاء جوي هجومي أمريكي مباشر بعد إكمال واشنطن لسحب أسرابها ومعداتها التكتيكية نحو القواعد الأوروبية.
إن قرار المقاومة في لبنان بالعودة الفورية والنشطة للعمل الميداني والاشتباك المباشر سيسقط كلياً وهم “المناطق التجريبية”. وفي ظل تواطؤ السلطة الرسمية في بيروت والوصاية الخارجية المتزايدة على المؤسسة العسكرية، إلى جانب غياب المناخات الإقليمية الضاغطة، فإن مسار التحرير وطرد الاحتلال سيكون شاقاً، طويلاً، وبنيوياً. هذا الصراع الوجودي لن يحسم بتسويات ورقية أو خلال جولة صيفية سريعة؛ بل سيحكمه إيقاع طويل ومتناوب من الهدوء المؤقت والصخب الناري الحاسم، وصولاً إلى مراكمة الأزمات واستنزاف البنية المجتمعية والعسكرية للكيان الإسرائيلي من الداخل، في وقت تتخندق فيه طهران وصنعاء خلف عقيدة هجومية وردع بحري لا يقبل المساومة.