أفق نيوز
الخبر بلا حدود

تناقض المنطق: عندما يكون القصف السعودي “دفاعاً” والرد اليمني “إرهاباً”

40

أفق نيوز| الشيخ وضاح بن مسعود

في مشهد سياسي يفيض بالتناقض، بعد أن انقلبت الرياض على كل التوافقات السابقة، لتتدخل في اليمن كيفما يحلو لها: قصفاً وتدميراً وحصاراً، لكن المفارقة الكبرى تظهر عندما تقرر اليمن الدفاع عن نفسها؛ فحينها ترفع الرياض صوتها مطالبةً بنفير عالمي لمساندتها، وتُعلن أن البحار والمقدسات في خطر، ليتحول الأمر إلى استنفار ديني ودعوات للجهاد. أي منطق هذا؟

سياق الصراع: من الهدنة إلى الانفجار

بعد أربعة أعوام من هدنة هشة، وُصفت بأنها “وضع لا سلم ولا حرب”، أبقت خلالها السعودية الحصار والقيود المفروضة على المطارات والموانئ اليمنية، انفجر الوضع في يوليو 2026. بدأ التصعيد بقصف مطار صنعاء الدولي، وهو ما اعتبرته صنعاء خرقاً فاضحاً لاستحقاقات السلام. جاء هذا القصف ليكشف عن مراوغة سعودية في تنفيذ خارطة الطريق والملفات الإنسانية.

منذ ذلك الحين، كثّفت السعودية غاراتها الجوية على “الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية والخدمية”، بدءاً من مطار صنعاء، وصولاً إلى القصف المباشر لعدد من المحافظات اليمنية في “إصرار متجدد على تعميق المأساة الإنسانية”. وقد استهدفت الغارات الاعيان المدنية والاسواق والجسور والطرقات والبنية التحتية في محافظات تعز، ومأرب، وصعدة، وعمران، وإب، وحجة حيث استشهد العشرات من المدنيين معظمهم اطفال ونساء جرى تلك الغارات العدوانية

في المقابل، ردت القوات المسلحة اليمنية بمعادلة “المطار بالمطار، والموانئ بالموانئ، والحصار بالحصار”، ثم أعلنت حظراً بحرياً على الملاحة المرتبطة بالسعودية، فنقلت المواجهة إلى صادرات النفط وحركة الناقلات ومنشآت أرامكو.

الرد اليمني: دفاع عن السيادة أم تهديد للمقدسات؟

مع تصاعد العمليات اليمنية، بدأ الخطاب السعودي يتحول من “مكافحة الإرهاب” إلى “حماية المقدسات”. وبدأت تظهر ادعاءات عن استهداف صنعاء لمكة المكرمة، وهو ما وصفته وسائل إعلام يمنية بأنه “محض كذب لدغدغة العاطفة الدينية ومحاولة لاستنفار العالم الإسلامي، للتغطية على جرائم العدو السعودي بحق اليمنيين على مدى 12 عاماً من العدوان”.

وتؤكد القوات المسلحة اليمنية أن ضرباتها الدفاعية “تقتصر حصراً على القواعد والمنشآت والقواعد العسكرية والنفطية للعدو”. وقد أعلن المتحدث العسكري اليمني أن الرياض نفذت اكثر من الف غارة على اليمن منذ بداية التصعيد، في حين استهدفت القوات اليمنية منشآت أرامكو في ينبع وأهداف حساساً في مناطق متفرقة في عمق السعودية

اللافت أن السعودية، التي أعلنت حظراً بحرياً وجوياً وبرياً على اليمن منذ 2015، لم تجد مشكلة في ذلك، لكن عندما أعلن اليمن حظراً على السفن السعودية في البحر الأحمر رداً على الحصار، سارعت الرياض إلى تصوير الأمر وكأنه تهديد للملاحة الدولية.

النفير العالمي: استجداء المساندة بعد فشل المشروع

في مواجهة هذه التطورات، لم تجد الرياض سوى اللجوء إلى حلفائها. فقد كشفت تقارير أن السعودية “طلبت من فرنسا وبريطانيا وباكستان ومصر” المساعدة في حماية مدنها ومصالحها الحيوية، بعد أن استنزفت الدفاعات الجوية السعودية معظم صواريخها الاعتراضية.

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل عُقدت اجتماعات طارئة مع تركيا وباكستان تحت ما يُسمى “ميثاق مكة للدفاع المشترك”، الذي وُقّع في أغسطس 2026، وينص على أن “الهجوم على أحد الأطراف يعتبر هجوماً على الجميع”. لكن الميثاق لم يُصادق عليه من قبل برلمانات تركيا أو باكستان، مما يعني أنه لا يُلزم أنقرة أو إسلام آباد بإرسال قوات تلقائياً.

العلماء والجهاد: تسييس المنبر الديني

في تصعيد خطير، لجأت الرياض إلى توظيف الدين لخدمة أهدافها العسكرية. فقد دعا مفتي السعودية الأعلى، صالح الفوزان، القوات السعودية وقوات التحالف إلى “الاستعداد الدائم للتضحية بأرواحهم” في قتال الحوثيين، واصفاً إياهم بـ”المرابطين”، وداعياً إلى “الجهاد” ضدهم.

وقال الفوزان في خطابه: “اعلموا أنكم تقاتلون عدواً أفسد في البلاد، وفرّق العباد، وعصى أمراءه، وأراد الشر بالمناطق المقدسة للمسلمين”. كما وصف الحوثيين بأنهم “جماعة ضالة” و”أداة شر” و”مؤامرة أعداء”.

هذا الخطاب يأتي في وقت تتهم فيه صنعاء الرياض بـ”افتراءات بشأن المشاعر المقدسة” تهدف إلى “استنفار العالم الإسلامي لغرض التغطيه على الجرائم والمجازر السعودية بحق اليمن واليمنيين”.

ازدواجية المعايير: شرعية انتقائية

يتجلى التناقض الأكبر في طريقة تعامل المجتمع الدولي مع الأحداث. ففي حين ينظر مجلس الأمن الدولي بقلق بالغ إلى “استهداف المنشآت النفطية السعودية وسلاسل الإمداد ومصالح القوى الكبرى”، فإنه “يتجاهل تماماً مظلومية الشعب اليمني جراء العدوان والحصار طوال 12 عام”.

الخارجية اليمنية وصفت التعاطي الدولي بأنه يتسم بـ”تناقض غير مسبوق وازدواجية معايير صارخة”، إذ يدعو المجلس في أدبياته إلى احترام سيادة اليمن واستقلاله، لكنه في المقابل “يغطي على الجرائم السعودية ودماء اليمنيين ومواثيق الأمم المتحدة”.

خاتمة: منطق القوة لا منطق الحق

إن ما يحدث في اليمن يكشف عن منطق مقلوب: فالقصف والحصار على مدى 12 عاماً يُسمّى “مكافحة إرهاب”، والرد الدفاعي على هذا العدوان يُسمّى “تهديداً للأمن الإقليمي”. والاستجداء السعودي لتحالف دولي يُسمّى “دفاعاً عن الشرعية”، بينما صمود اليمن في وجه هذا التحالف يُسمّى “مؤامرة”.

في النهاية، لا يمكن فهم هذا التناقض إلا في إطار ازدواجية معايير ممنهجة، حيث تُقاس الأمور بحجم المصالح النفطية والاستراتيجية، لا بميزان العدل والحق. والسؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى سيستمر هذا المنطق المقلوب، ومتى سيدرك العالم أن استقرار المنطقة لن يتحقق إلا بإنهاء الحصار ورفع الظلم عن شعب يريد فقط أن يعيش بكرامة وسيادته على أرضه.