رحلة متكاملة في حياة وفكر “الشهيد القائد” منذ ولادته وحتى استشهاده
أفق نيوز| محسن علي|
يظهر كتاب “نُبذة تعريفية مُختصرة عن الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي” رضوان الله تعالى عليه” ليقدم قراءة معمّقة في سيرة رجلٍ أثارت أفكاره وتحركاته جدلاً واسعاً وقبولا واسعا أيضا، ولم يقتصر تأثيره على اليمن فحسب، بل امتد ليصبح رقماً صعباً في المعادلة الإقليمية، هذا الكتيب، الذي أعدّه يحيى قاسم أبو عواضة في 52 صفحة، لا يروي سيرة شخصية عادية، بل يغوص في أعماق مشروع فكري وسياسي وُلد من رحم المعاناة قاده علم من أعلام الهدى آمن بقضيته حتى الشهادة، ونما في ظل تحديات جسام، مطلقاً “صرخة” مدوية في وجه المستكبرين لا تزال أصداؤها تتردد حتى اليوم، فمن هو هذا الرجل الذي شع نوره من منطقة مران بمحافظة صعدة ليُصبح نائباً في البرلمان ثم قائداً لمشروع غيّر تاريخ اليمن الحديث؟
قراءة في سيرة المؤسس.. الأبعاد الفكرية والجهادية
يأتي الكتاب كوثيقة تعريفية مكثفة تسعى لتقديم إجابات حول شخصية تُعد من أكثر الشخصيات تأثيراً في تاريخ اليمن المعاصر، ويقدم رؤية تعريفية شاملة لحياة وفكر ومشروع شخصية محورية في تاريخ اليمن الحديث، كما انه يعتمد بشكل أساسي على خطابات السيد القائد المجاهد عبد الملك الحوثي كمصدر رئيسي للمعلومات، ويقسم سيرة “الشهيد القائد” إلى مراحل مترابطة، من النشأة إلى إطلاق المشروع وحتى استشهاده.
المرحلة الأولى.. النشأة والتكوين الفكري
النشأة والنسب: وُلد علم الهدى وقرين الذكر الحكيم السيد حسين بدر الدين بن أمير الدين الحوثي في شهر شعبان1379هـ فبراير1960م في منطقة الرويس إحدى العزل القبلية بمديرية ساقين بمحافظة صعدة، وينتهي نسبه الشريف إلى الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
التربية في كنف والده
يستهل الكتاب بتسليط الضوء على البيئة التي نشأ فيها الشهيد القائد في كنف والده العظيم “فقيه القرآن والعالم الرباني” السيد المجاهد بدر الدين الحوثي “رضوان الله عليهما”، هذه البيئة شكلت وعيه ووفرت له تربية دينية وعلمية صارمة، حيث تعلم “العلم والعمل معاً”، وغُرست فيه قيم التقوى، والشعور بالمسؤولية تجاه أمته، والجهاد لإعلاء كلمة الله, وخدمة عباد الله, والمستضعفين.
قابلية استثنائية
يشدد الكتاب على أن السيد حسين لم يكن مجرد متلقٍّ، بل كان يمتلك “قابلية عالية جداً” للتعلّم والتأثر، مشبهاً إياه بـ “الأرض الطيبة الخصبة” التي تُثمر ما يُزرع فيها، هذه القابلية، مع التربية الصالحة والمنحة الإلهية من العلم والحكمة، جعلته شخصية متميزة ومحط أنظار من حوله.
المرحلة الثانية.. العمل السياسي والبرلماني (1990 – 1994)
ينتقل الكتاب بسلاسة من المسيرة العلمية إلى المسيرة العملية وعند تأسيس حزب الحق، مع إعلان الوحدة اليمنية عام 1990م وما رافقها من تعددية حزبية، رأى السيد حسين في هذا التغيير “متنفساً للمستضعفين وفرصة سانحة للعمل”،فتحرك بجد لجمع كلمة العلماء والشخصيات الاجتماعية وتأسيس حزب سياسي (حزب الحق) ليكون منبراً لخدمة الأمة وحماية الدين والهوية.
عضوية مجلس النواب
يخصص الكتاب فصولا مهمة للمواقف التي شكلت منعطفات حاسمة في مسيرته, حيث ترشح للانتخابات البرلمانية عام 1993م عن دائرة في محافظة صعدة , بشعاره الانتخابي الذي يثير كلمات الاستغراب والتعجب ألف مرة “أنا لا أعدكم بشيء ولكني أعدكم ألا أمثلكم في باطل”، وهو ما يعكس صدقه ونزاهته وابتعاده عن الوعود البراقة والوهمية التي كان يطلقها منافسوه.
دوره في البرلمان
داخل المجلس، عُرف برؤيته الحكيمة ونظرته الثاقبة، فقد حرص على توسيع علاقاته مع الشخصيات العلمائية والاجتماعية المخلصة، وكان له دور بارز في محاربة الفساد، ورفض التوقيع على أي قروض ربوية يتبناها المجلس، لعلمه بأنها ستثقل كاهل الاقتصاد اليمني وتضع البلاد تحت رحمة البنك الدولي، ولن تصل أموالها إلا لجيوب المتنفذين.
المرحلة الثالثة.. المواقف الحاسمة وبداية المواجهة (1994 – 2001)
موقفه من حرب 1994.. عند نشوب الأزمة السياسية التي أدت إلى حرب صيف 1994 بين الشمال والجنوب، كان للسيد حسين دور بارز في محاولة رأب الصدع وتجنيب اليمن الحرب، وعندما شعر أن “عشاق السلطة وعملاء الخارج” ماضون في الحرب، نأى بنفسه وأتباعه عن المشاركة في سفك الدماء، ورفض قرار السلطة بفرض إقامة جبرية على النواب لإضفاء شرعية على الحرب، وعاد إلى صعدة معلناً رفضه الصريح.
تبعات الموقف (من الجنوب إلى صعدة)
هذا الموقف أغضب رموز السلطة، ويروي الكتاب كيف أنهم بعد “نشوة الانتصار الوهمي” في الجنوب، حركوا حملات عسكرية كبيرة إلى صعدة عام 1994م، استهدفت أنصار السيد حسين، فتم اقتحام وتفجير منزله ومنزل والده، واعتقال العشرات من أنصاره، رغم أنه كان لا يزال عضواً في مجلس النواب ويتمتع بالحصانة.
السفر وتنمية القدرات
سافر السيد حسين إلى عدة بلدان عربية وإسلامية (للحج، الدراسة، والعلاج)، فرحلاته تلك لم تكن عادية، وإنما كانت فرصة لتأمل معاناة الشعوب الإسلامية على أيدي “الحكام الظالمين” و”الأمريكيين والصهاينة”، وإضافة لذلك سافر إلى السودان لإكمال دراسته العليا في جامعة أم درمان عام 1997م، حيث نال احترام الأكاديميين والطلاب، لكن تسارع الأحداث في المنطقة حال دون إكماله لرسالتي الماجستير والدكتوراه.
المرحلة الرابعة.. إطلاق المشروع القرآني (2001 – 2004)
السياق التاريخي (أحداث 11 سبتمبر): في جوهر الكتاب الذي يتمحور حول “المشروع القرآني” يرى الكتاب أن أحداث 11 سبتمبر 2001م كانت “خدعة” وذريعة أمريكية لاحتلال المنطقة العربية والإسلامية، وأمام هذه “الهجمة الاستعمارية الجديدة”، شعر السيد حسين أن الأمة في خطر داهم، وأن المشروع القرآني هو “المشروع الوحيد القادر على إنقاذ الأمة, ومن خلاله يهدف إلى بناء أمة قرآنية تتمتع بالوعي والبصيرة وتعتمد على حاكمية القرآن كمرجعية أساسية.
إطلاق الصرخة
بعد حوالي أربعة أشهر من أحداث سبتمبر، وفي أول خميس من شهر ذي القعدة 1422هـ، أعلن السيد حسين مشروعه العملي في محاضرته الشهيرة “الصرخة في وجه المستكبرين”، أطلق الهتاف المعروف (الله أكبر / الموت لأمريكا / الموت لإسرائيل / اللعنة على اليهود / النصر للإسلام) كموقف صريح ومعلن, محصنا به اليمن من كل المساعي الأمريكية الصهيونية التي وضعت اليمن في دائرة الاستهداف للسيطرة والاحتلال العسكري المباشر تحت ذريعة ما يسمى “مكافحة الإرهاب”.
فلسفة المشروع
لم يكن المشروع مجرد شعار، بل هو رؤية متكاملة تهدف إلى:إحياء الشعور بالمسؤولية لمواجهة حالة اللامبالاة التي أصابت الأمة، وكذلك إحياء الروحية الجهادية للدفاع عن النفس والمقدسات، وتصحيح المفاهيم المغلوطة التي جعلت الأمة أسيرة لثقافات وعقائد باطلة، وتأسيس حاكمية القرآن بجعل القرآن الكريم هو المهيمن على كل الثقافات والأفكار، وربط القرآن بقيومية الله أي أن القرآن ليس مجرد كتاب، بل هو كتاب الله الحي القيوم مالك السماوات والأرض، مما يمنح المشروع قوة وفاعلية.
المرحلة الخامسة.. المواجهة والاستشهاد (2004)
ردة فعل السلطة و”قوى النفاق”
هذا المشروع قوبل بعداء شديد من السلطة اليمنية الظالمة آنذاك “بإشراف أمريكي واضح”، بدأت بحملات إعلامية شعواء مشوهة ومظللة رافقها العديد من الدعايات المغرضة والأكاذيب , بالتزامن مع قيام السلطات بإجراءات قعمية ظالمة تعسفية كفصل الموظفين وكل من يشتبه بانضمامه إلى حركة أنصار الله، وأملت السجون والزنانين بالمئات من المكبرين.
الحرب الأولى والاستهداف
عندما فشلت كل محاولات الإسكات، بدأت المواجهة العسكرية المباشرة في 20 يونيو 2004م، حيث يصف الكتاب الحرب بأنها كانت وحشية، استخدمت فيها كل أنواع الأسلحة، بهدف القضاء على المشروع ومن يقف خلفه.
الاستشهاد
بعد حرب إجرامية شرسة شنتها السلطة الظالمة بمختلف انواع الأسلحة التي استمرت لشهور، وفي 10 سبتمبر 2004م، تم استهداف السيد حسين مع أسرته في جرف سلمان بمنطقة مران، ويصف الكتاب المشهد الأخير بأنه تم الوصول إليه وهو “مثخن بجراحه، ومزملاً بدمائه”، وأن خصومه أرادوا “أن يجعلوا من قرين القرآن قرباناً إلى أمريكا وإسرائيل.
خلاصة الكتاب
يخلص الكتاب إلى أن السيد حسين بدر الدين الحوثي كان “أمة من الأخلاق والقيم”، و”رجل المرحلة” الذي شخص المشكلة وقدم الحل في زمن اليأس والإحباط، وأن مشروعه القرآني هو مشروع “تنويري”، “أخلاقي”، “واقعي”، و”حضاري”، يهدف إلى بناء أمة واعية ومحصنة ضد الاختراق والعمالة قادرة على مواجهة التحديات ونيل استقلالها الكامل.
يمانيون