أفق نيوز
الخبر بلا حدود

الرئيس الشهيد صالح الصماد: قيادة بحجم وطن

58

أفق نيوز| شاهر أحمد عمير|

لم يكن الرئيس الشهيد صالح علي الصماد (سلام الله عليه) مُجَـرّد شخصية سياسية تولّت موقع الرئاسة في ظرف استثنائي، بل مثّل حالةً قيادية نادرة تشكّلت في واحدة من أعقد وأقسى مراحل تاريخ اليمن الحديث، حين كانت الدولة مستهدفة في وجودها، والسيادة منتهكة، والقرار الوطني محاصرًا بإرادَة خارجية سعت إلى إخضاع اليمن وتحويله إلى ساحة نفوذ بلا هُوية ولا إرادَة مستقلة.

في هذا السياق الملبّد بالنار والحصار، تبلورت تجربة الصماد بوصفها تجربة قيادة في زمن العدوان، لا تُقاس بمعايير الاستقرار والرفاه، بل بمعايير الصمود، وتحمل المسؤولية، وصناعة المعنى الوطني للموقف والقرار.

جاء الرئيس الشهيد إلى موقع الرئاسة واليمن يرزح تحت حرب شاملة، لم تقتصر على القصف العسكري والتدمير الممنهج للبنية التحتية، بل امتدت إلى حصار اقتصادي خانق، واستهداف مباشر لمقومات الحياة، ومحاولات متواصلة لتفكيك المجتمع من الداخل عبر أدوات سياسية وإعلامية وإنسانية مُسيّسة.

ومع ذلك، لم يتعامل الشهيد الصماد مع هذا الواقع بوصفه مبرّرًا للانكفاء أَو إدارة أزمة مؤقتة، بل بوصفه تحديًا تاريخيًّا يفرض إعادة تعريف دور القيادة، ومعنى الرئاسة، ومسؤولية الحاكم تجاه شعبه ووطنه.

 

معادلة “يد تبني ويد تحمي”

منذ اللحظة الأولى، قدّم الرئيس الصماد تصورًا واضحًا لمعادلة المرحلة، فكانت معادلته الوطنية المعروفة: يد تبني ويد تحمي.

لم تكن هذه المعادلة شعارًا إعلاميًّا، بل رؤية استراتيجية متكاملة، جمعت بين متطلبات الصمود في مواجهة العدوان، وضرورات الحفاظ على مؤسّسات الدولة واستمرار الحياة العامة.

فقد أدرك أن المعركة لا تُدار في الجبهات وحدها، بل في قدرة الدولة على البقاء، وفي منع الانهيار الشامل الذي كان العدوان يراهن عليه كمدخل لإخضاع اليمن من الداخل.

 

حضور إنساني وسيادة لا تساوم

تميّزت تجربة الرئيس الشهيد بحضور إنساني وطني متلازم مع موقعه السياسي.

لم يكن رئيسًا معزولًا خلف المكاتب، ولا متحدثًا من موقع بعيد عن معاناة الناس، بل كان قريبًا من وجع المواطنين، مدركًا أن صمود الجبهة الداخلية هو الركيزة الأَسَاسية لأي مواجهة.

ولذلك، جعل الحفاظ على مؤسّسات الدولة أولوية مركزية، ليس من باب الشكل الإداري، بل؛ باعتبَارها عنوان السيادة وأدَاة حماية المجتمع من الفوضى والتفكك، ورسالة واضحة بأن الدولة اليمنية باقية رغم العدوان والحصار.

كما امتلك الشهيد الصماد وعيًا عميقًا بطبيعة الصراع الإقليمي والدولي المفروض على اليمن.

لم ينخدع بالشعارات، ولم يراهن على وعود الخارج أَو ما يُسمّى بالمجتمع الدولي، بل تعامل مع الواقع السياسي بعقلانية ووضوح، واضعًا القرار الوطني المستقل في قلب المعادلة.

كان موقفه من الوصاية الخارجية حاسمًا، ورفضه لأي تسوية تُبنى على حساب السيادة أَو تُفرّط بكرامة الشعب موقفًا ثابتًا غير قابل للمساومة، وهو ما جعله هدفًا مباشرًا للعدوان السعوديّ والإماراتي والأمريكي، لأنه مثّل قيادة لا يمكن تطويعها أَو إخضاعها.

 

النهج السياسي والاستشهاد الكاشف

سياسيًّا، اتسم خطاب الرئيس الشهيد بالهدوء والاتِّزان، وبالاستناد إلى الثقافة القرآنية، بعيدًا عن الانفعال والشعبوية، لكنه كان في الوقت ذاته خطابًا حازمًا في القضايا المصيرية.

لم يكن خطاب تحدٍّ أجوف، بل خطاب مسؤولية يوازن بين الصمود والواقعية، وبين التعبئة الواعية وإدارة شؤون الدولة في ظروف بالغة القسوة.

لم يكن استشهاد الرئيس صالح علي الصماد حدثًا عابرًا في سياق الحرب، بل شكّل لحظة كاشفة لطبيعة الصراع ولحجم الدور الذي كان يؤديه.

فقد استُهدف لأنه جسّد نموذجًا لقيادة ترفض الانصياع، وتدرك أن المعركة مع العدوان هي معركة وجود وسيادة، لا مُجَـرّد ملف تفاوضي قابل للمقايضة.

ومع ذلك، لم يؤدِ غيابه الجسدي إلى فراغ سياسي أَو انهيار داخلي، بل تحوّل إلى عامل وعي وتعبئة إضافي.

الخلاصة: إن قراءة تجربة الرئيس الشهيد صالح علي الصماد اليوم يجب ألا تُحصر في إطار التأبين أَو العاطفة، بل ينبغي تقديمها كنموذج تحليلي لقيادة وطنية تشكّلت تحت أقسى الضغوط، وأعادت تعريف معنى الرئاسة والمسؤولية في زمن العدوان.

لقد عاش الصماد مع شعبه، وتحمل أمانة الوطن حتى آخر لحظة، واستشهد وهو يؤدي واجبه، ليبقى اسمه مرتبطًا بمعنى القيادة الصادقة، والمسؤولية الوطنية، والرجل الذي كان، بحق، بحجم وطن.