أفق نيوز
الخبر بلا حدود

جنوب الوطن بين التمزيق والاحتلال .. الحقيقة العارية للعدوان السعودي

49

أفق نيوز| أعده للنشر| طارق الحمامي

ما يحدث اليوم في جنوب الوطن لا يمكن فهمه بوصفه حراكًا داخليًا منفصلًا عن سياقه، ولا كصراع سياسي محلي معزول عن الحرب، الجنوب تحوّل، بفعل مسار طويل من التدخلات السعودية، إلى واجهة متقدمة لمشروع تفتيت اليمن، حيث يُعاد إنتاج الانقسام تحت عناوين مضللة، ويُغذّى مشروع الانفصال كأداة لكسر ما تبقّى من الدولة اليمنية الموحدة، هذا المشهد ليس طارئًا، ولا وليد لحظة، بل هو نتيجة مباشرة لمسار العدوان الأمريكي السعودي على اليمن منذ عام 2015، ذلك العدوان الذي  استهدف اليمن ككيان سياسي وجغرافي وإنساني،  فالعدوان، والحصار، وتمزيق النسيج الاجتماعي، لم تكن أخطاءً عرضية، بل مكونات متكاملة في مشروع أكبر، يخدم في جوهره الأجندة الأمريكية للهيمنة وإعادة تشكيل المنطقة، إن ما يجري في الجنوب، وما جرى في عموم اليمن، ليس فشلًا في تحقيق أهداف معلنة، بل نجاح في تنفيذ أهداف غير معلنة تنفذها جارة السوء بدعم وإسناد أمريكي صهيوني مباشر.

 

العدوان من شعار دعم الشرعية إلى حرب استباحة شاملة

حين أعلنت السعودية  من الولايات المتحدة ،بدء عدوانهاعلى اليمن، رفعت شعار “إعادة الشرعية”، غير أن الوقائع التي تلت الإعلان سرعان ما كشفت للعالم أن الأمر يتجاوزاستعادة سلطة إلى شن عدوان شامل استخدمت فيها القوة الجوية والحصار الاقتصادي والضغط السياسي لإخضاع بلد بأكمله، الغارات لم تميّز بين بنية عسكرية ومدنية، والحصار لم يفرّق بين خصم سياسي وطفل جائع، ومع مرور السنوات، بات واضحًا أن العدوان لم يدار كوسيلة مؤقتة لتحقيق هدف محدد، بل كحالة دائمة لإبقاء اليمن في وضع الانهاك الشامل، بلا قدرة على النهوض، ولا أفق للاستقلال في القرار.

 

الجنوب بوابة التفكيك المتعمّد

في هذا السياق، لم يكن جنوب الوطن  خارج الحسابات، بل كان في قلبها،  وجرى التعامل معه كساحة لإعادة إنتاج الانقسام، عبر دعم قوى محلية متنازعة، وتغذية صراعات الهوية، وتحويل المظلومية التاريخية إلى أداة سياسية تخدم مشروع التفتيت، وما يُقدَّم اليوم كـ“قضية جنوبية” يُدار، في كثير من تجلياته، بعيدًا عن إرادة اليمنيين ومصالحهم الحقيقية، ليصب في اتجاه واحد هو كسر وحدة اليمن من الداخل، فاليمن الموحّد يشكّل عبئًا على مشاريع الهيمنة، بينما اليمن الممزق ساحة مفتوحة للنفوذ والسيطرة، وأخطر ما أفرزه العدوان السعودي ليس الدمار المادي وحده، بل ضرب فكرة الدولة نفسها، وإبقاء أدواتها وما سُمّي بالشرعية في حالة عجز دائم، تُستدعى عند الحاجة وتُهمَّش عند الضرورة، بهذا المعنى، لم يكن الهدف هزيمة خصم سياسي، بل منع قيام يمن قوي، لأن الدولة القوية تعني قرارًا مستقلًا، والقرار المستقل يتناقض مع منطق الوصاية والهيمنة.

 

الحصار والتجويع سلاح إخضاع جماعي

لم يتوقف العدوان عند القصف، بل امتدت إلى الاقتصاد والغذاء والدواء، والحصار المفروض على اليمن  سياسة ضغط جماعي أصابت المجتمع ، جرى تجويع شعب كامل، وشُلّت الخدمات الأساسية، وانهار النظام الصحي والتعليمي، في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، هذه النتائج لم تكن خافية، ولا غير مقصودة، بل كانت معروفة ومستمرة، ما يجعل من التجويع أداة حرب لا يمكن تبريرها بأي خطاب سياسي.

 

الفوضى والتطرف .. النتيجة الحتمية

حين تُدمَّر الدولة، ويُفقَر المجتمع، ويُغلق أفق المستقبل، لا يولد الاستقرار، بل تولد الفوضى، جنوب اليمن، بفعل هذا المسار، تحوّل إلى بيئة هشّة، قابلة لاختراق كل أشكال العنف والتطرف، وهذا الخطر لا يقف عند حدود اليمن، بل يمتد إلى الإقليم بأكمله، وهو من أخطر أهداف العدو السعودي لإشعال المنطقة العربية بأكملها

وإغراقها بالتطرف والإرهاب خدمة لمشروع أكبر ، هو المشروع الصهيوأمريكي .

 

السعودية والمشروع الأمريكي 

لا يمكن قراءة الدور السعودي في اليمن بمعزل عن علاقته العضوية بالولايات المتحدة، فالعدوان جاء منسجماً مع أولويات واشنطن في المنطقة، أمن الطاقة، السيطرة على الممرات البحرية، وإدارة الصراعات عبر الحروب بالوكالة، وفي هذه المعادلة، لم يكن اليمن طرفًا، بل ساحة يدفع أبناء الجنوب كلفة ثقيلة ومؤلمة ، خسارة وطن بأكمله، أن تكون أداة لا يعفي من المسؤولية، بل يضاعفها، لأن تنفيذ المشروع هو الجريمة التي سمح الأدوات بمرورها .

 

تحذيرات السيد القائد .. تشخيص سبق الوقائع

في خضم هذا المسار، برزت تحذيرات السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي، الذي نبّه مبكرًا إلى أن العدوان على اليمن  هي حرب سعودية وجزء من مشروع أمريكي أوسع، وأن استهداف الوحدة وتدمير الدولة سيقودان إلى فوضى تهدد الجميع، هذه التحذيرات، التي قوبلت حينها بالتجاهل والتشويه، تحوّلت اليوم إلى وقائع ملموسة تشهد عليها نتائج الحرب بين الأدوات والتي انتهت بنشيد الإنفصال من داخل الرياض .

 

ختاماً 

بعد سنوات من العدوان، لم يعد السؤال،  ماذا كانت النوايا؟ بل ماذا كانت الحصيلة؟، والحصيلة واضحة، يمن مدمّر، وجنوب يُستهدف بالتقسيم، وشعب مستنزف، وثروات تنهب ووضع أمني ومعيشي أكثر هشاشة، بناءً على ذلك، فإن الحقيقة التي يفرضها الواقع هي أن السعودية لم تعمل من أجل خير اليمن، ولا وحدته، ولا استقراره مطلقاً، بل نفذت مشروع عدوان وهيمنة وتفكيك، يخدم الأجندة الأمريكية، ويحوّل جنوب اليمن إلى ساحة مفتوحة للفوضى، هذا ليس موقفًا سياسيًا، بل حكم تصدره الوقائع، والتاريخ، مهما تأخر، لا ينسى من دمّر الأوطان باسم إنقاذها.

يمانيون