أفق نيوز
الخبر بلا حدود

رمضان والحرب .. اختبار العقيدة

56

أفق نيوز| أمة الملك قوارة

حين يتمادى الباطل في طغيانه، ويختلّ ميزان الرؤية الذي اعتاد الاتكاء عليه، تتغيّر قواعد الاشتباك من حيث لا يعي. فالحرب التي بُنيت استراتيجيتها طويلًا على افتراض انهيارٍ عقائدي لدى الخصم، وعلى إضعاف البنية النفسية قبل العسكرية، تبدو اليوم أمام معادلةٍ مختلفة. ذلك هو المسار الذي اتّبعته الولايات المتحدة وإسرائيل في معظم مواجهاتهما: ضربُ الإرادة قبل الميدان، واستنزاف المعنى قبل العتاد. غير أنّ السير في هذا الطريق ذاته قد يقود أحيانًا إلى منعطفٍ غير مرئي، تصنعه اليد التي ظنّت ـ بغرور ـ أنها تُحكم السيطرة على كل شيء.

بنت أمريكا وربيبتها إسرائيل كثيرًا من رهاناتهما على تفكيك الجبهة من الداخل قبل طرق أبوابها من الخارج. غير أن أخطر ما وقعتا فيه هو الاطمئنان إلى وصفةٍ قديمة في واقعٍ يتبدّل ويتغير .
إن التصعيد الذي تقوده أمريكا ومعها إسرائيل تجاه إيران في مطلع شهر رمضان ليس تفصيلًا في هامش المشهد، بل اختيارٌ محسوب بدقة. وقد تكون الأقدار قد هيّأت له مضامينه وحددت نتائجه ؛ فالحرب حين تُقرن بزمنٍ ذي كثافة روحية ورمزية تتحول إلى رسالة تتجاوز حدود الميدان. وهنا يظنّ طغاة العصر أنهم يمضون في مسار اختبار الإرادة، وجسّ نبض الداخل الإيراني، ومحاولة خلخلة التوازن في لحظةٍ يُفترض أنها مُنهِكة.
إن الرهان ـ في جوهره ـ يقوم على قراءة الداخل الإيراني بوصفه ساحة ضغط قابلة للاستثمار: تحديات مصنوعة ، وتباينات موضوعة ، وضغوط خارجية متراكمة؛ كلها تُستدعى في الحسابات على أنها نقاط إنهاك يمكن تضخيمها عبر تصعيدٍ عسكري وسياسي متزامن. والفكرة واضحة: إذا اشتدّ الضغط في الخارج، وتكاثف العبء في الداخل، تآكلت القدرة على الصمود، وتبددت الأولويات، وتحوّل الخصم إلى قوةٍ منشغلة بذاتها.
غير أن هذا الرهان، في عمقه، يحمل كما كبيرا من الوهم. فالمجتمعات لا تستجيب دائمًا للضغط وفق التوقعات الخطية؛ فكثيرًا ما يتحول التهديد الخارجي إلى عامل إعادة اصطفاف داخلي، وتتراجع التناقضات أمام أولوية السيادة والبقاء. وحين يُستشعر أن المواجهة تتجاوز السياسة إلى الكرامة الوطنية، تنقلب معادلة الاستنزاف إلى معادلة تعبئة.
ثم إن اختيار رمضان ليس عنصر إنهاك بالضرورة، بل قد يكون عنصر شحنٍ معنوي. فالزمن الذي يُظن أنه ظرف انشغال قد يغدو ظرف استحضارٍ للقيم المؤسسة للصبر والثبات ومجمل قيم الهوية. وحين تتقاطع العقيدة مع السياسة، يتسع الصراع من حدود الجغرافيا إلى فضاء المعنى الروحي، ومن حسابات الردع إلى حسابات الوجود.
وهنا يصبح استهداف إيران ـ في ذروة بنائها الروحي وانتسابها العقائدي ـ فعلًا يفتقر إلى أي قيمة تكتيكة أو فهم لمضامين المعركة، ويتجاوز حدود الصراع السياسي إلى مساسٍ بجوهر الهوية، التي ثبت التاريخ مدى اتقادها وعظمة تأثيرها، وكيف أنها قادرة على تحويل التحديات إلى قوة صلبة لا تُقهر ونصر محتوم .