في رحاب المحاضرة الرمضانية الحادية والعشرين لسماحة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي -نصره الله -، نقف أمام مشهد قرآني فريد يعيد تشكيل وعينا لحظة البعثة الإلهية، تلك اللحظة الأقدس في حياة البشرية، حَيثُ يلتقي الضعف البشري بالمدد الرباني، فتتغير موازين الأرض كلها.

 

موسى..من مستضعف خائف إلى رسول

لم يكن مشوار موسى عليه السلام مُجَـرّد قصة نبوة عابرة، بل كان رحلة تكاملية تصاعدية، بدأت من لحظة ضعف وكانت النبوة تتويجًا لها.

إنها رسالة الله لكل مستضعف في الأرض: أن الإرادَة الإلهية قادرة على تحويل الخائف الهارب إلى قائد ثائر في وجه أكبر طاغوت.

لقد انتقى الله لموسى توقيتًا استثنائيًّا للبعث، فلم يكن في قصر فرعون، ولا في بهاء المدن، بل في واد مقدس، ليلة باردة، وعلى غير انتظار.

كان موسى يسير بأهله، يبحث عن دفء النار لعلّه يأتيهم بقبس أَو خبر، فإذا بنار الدنيا تتحول إلى نور النبوة.

وهنا يكمن الدرس: أن الله يأتي الفرج من حَيثُ لا نحتسب.

 

التكليم الإلهي.. صوتٌ يغيّر مسار التاريخ

عندما نادى الله نبيه: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ}، لم يكن مُجَـرّد نداء، بل كان تحولًا كونيًّا في نفس موسى.

في تلك البقعة المباركة، عند شاطئ الواد الأيمن، كان الملأ الأعلى يشهد هذا الحدث العظيم.

وهذا المشهد القرآني الموثق بالتفصيل يعلّمنا كيف تكون البدايات العظيمة: هدوءًا وجلالًا وطمأنينة، لا عنفًا ولا اضطرابا كما تصوّر بعض الروايات المغلوطة عن نبينا محمد صلوات الله عليه واله عن بدء الوحي.

إن تكليم الله لموسى كان الدفعة المعنوية الأكبر التي يحتاجها أي مصلح يواجه طاغوتًا جبارًا.

كان موسى بحاجة إلى هذه الثقة الإلهية ليواجه فرعون بلا جيش ولا مال، مدركًا أن من اختاره وناداه هو رب العالمين.

 

قدسية المكان وإرادَة التغيير

{إِنَّكَ بِالْوَادِ الْـمُقَدَّسِ طُوًى}.

هنا يلفت السيد القائد الأنظار إلى عناية الإسلام بقدسية الأماكن التي تتعلق بالوحي والرسالة.

هذه المقدسات التي هي معالم صلة بين العبد وربه، تذكرنا بعهد الله وتجدد فينا روح المسؤولية.

ولهذا تحديدًا يستهدف الأعداء المقدسات، وفي مقدمتها المسجد الأقصى، لأنهم يدركون أن تدمير الرمز يعني إضعاف الهمة، وأن طمس المعالم يعني محو الذاكرة الإيمانية للأُمَّـة.

وفي المقابل، يظهر التكفيريون لخدمة المشروع الصهيوأمريكي، بمحاربتهم لكل ما هو مقدس تحت ذرائع واهية.

 

الاختيار ثم الاستماع

يقول الله لموسى: {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى}.

يجمع النص بين تشريف الاختيار وتكليف الاستماع.

فمن يختاره الله لحمل رسالته، لا يملك إلا أن يصغي بكل جوارحه لتوجيهات خالقه.

إنها مسؤولية كبرى، تحتاج إلى توجيهات دقيقة، وإلى قلب خاشع، ونفس مطمئنة.

إن قصة بدء بعثة موسى عليه السلام ليست مُجَـرّد حكاية تروى، بل هي منهج حياة.

إنها تعلّم المستضعفين في الأرض أن معية الله معهم، وأن الاختيار الإلهي يأتي في أشد اللحظات ظلمة، وأن الوحي نور يبدد ظلمات الطغيان.

وقد كان لسماحة السيد القائد وقفته التأملية مع هذا المشهد لتأكيد حقيقة واحدة: أن هذه الأُمَّــة التي يريد أعداؤها طمس مقدساتها وتشويه تاريخها، لا تزال تملك من الإيمان ما يجعلها تستمع لمنهج ربها، وتسير على خطى أنبيائها، لتعيد للمقدسات قدسيتها، وللأرض كرامتها.