حين يتحدّث الإعلام العربي بلسان واشنطن
أفق نيوز| رهيب التبعي
من يتابع التغطية السياسية في بعض القنوات العربية يلاحظ نمطًا متكرّرا: التعامل مع تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب وكأنها حقائق مكتملة، لا مُجَـرّد مواقف سياسية قابلة للنقاش أَو التحليل.
بدلًا من قراءة هذه التصريحات في سياقها الاستراتيجي أَو ضمن توازنات القوة الدولية وتعقيدات القرار الأمريكي، تتحول في كثير من البرامج إلى محور الحدث ذاته، وكأن ترامب قادر على تشكيل الواقع وفق ما يقول.
تكشف هذه المقاربة الإعلامية خللًا منهجيًّا في التحليل السياسي لدى بعض المنصات العربية.
الإعلام بطبيعته ليس مُجَـرّد ناقلٍ للخبر، بل إطار لتفسيره.
وعندما يتبنى الإعلام المصطلحات نفسها التي تنتجها واشنطن، ويصف الأحداث كما تصفها الرواية الأميركية، فإنه يتحول – عن قصد أَو من دون قصد – إلى وسيط يعيد إنتاج الخطاب السياسي الأمريكي داخل المجال العربي.
في هذه الحالة، لا يعود السؤال: ماذا يحدث فعلًا في العالم؟ بل يتحول إلى: كيف تريد واشنطن أن يُفهم ما يحدث؟ هنا تكمن المشكلة الجوهرية.
التحليل السياسي الرصين يفترض وجود مسافة نقدية بين المراقب والفاعل الدولي.
أما حين تُمنح تصريحات ترامب مساحة مفرطة في البرامج الحوارية، بما فيها من تناقضات واستعراضات خطابية، فإن المشهد يتحول إلى متابعة انفعالية لتصريحات آنية، لا إلى قراءة استراتيجية للسياسات الفعلية التي تُصاغ داخل مؤسّسات القرار الأمريكية.
ومن يراجع طبيعة النظام السياسي في الولايات المتحدة يدرك أن القرار الخارجي لا يُختزل في شخصية الرئيس مهما كان اسمه.
فهناك بنية مؤسّسية معقدة تشمل الكونغرس، والبنتاغون، والأجهزة الاستخباراتية، ومراكز التفكير، وشبكات المصالح الاقتصادية.
هذه المنظومة هي التي تصوغ الاتّجاه العام للسياسة، بينما يبقى الخطاب السياسي – خُصُوصًا لدى الشخصيات الشعبوية – أدَاة من أدوات الضغط والتفاوض وصناعة الصورة.
غير أن بعض المنابر العربية تتعامل مع هذا الخطاب وكأنه استراتيجية نهائية، فتضخم التصريحات وتتعامل مع التهديدات بوصفها قدرًا محتومًا.
وبدل تفكيك الرسائل الإعلامية وفحصها، يقع الإعلام في فخ إعادة بثها بصورة أكثر تهويلًا، وكأنها تعيد إنتاج الرسالة نفسها بصوت عربي.
المفارقة أن هذا النمط من التغطية لا يعكس فقط ضعفًا مهنيًّا، بل يكشف أحيانًا أزمة ثقة بالنفس في قراءة الواقع الدولي.
الإعلام الذي يفتقد أدوات التحليل المستقل يلجأ غالبًا إلى استعارة رواية الطرف الأقوى، ليس اقتناعًا بها، بل لعجزه عن تقديم إطار معرفي بديل.
هنا يتقاطع الإعلام مع ما يمكن تسميته بـ”الهزيمة النفسية”، حَيثُ تتحول قوة الآخر إلى المعيار الوحيد لفهم العالم.
وعندما يحدث ذلك، يصبح الإعلام العربي جزءًا من منظومة التأثير التي تشكلها القوى الكبرى، لا مراقبًا ناقدًا لها.
ويكتسب التوجيه القرآني دلالة عميقة في هذا السياق، حَيثُ يقول تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَو الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (النساء: 83).
فالآية تؤكّـد أن ليس كُـلّ خبر يُبث، ولا كُـلّ معلومة تُذاع كما وردت، بل يجب أن تمر عبر عملية استنباط وتحليل من قبل أهل الاختصاص.
الفارق بين الشائعة والتحليل ليس في امتلاك المعلومة، بل في القدرة على فهم دلالاتها وسياقها.
من هذا المنظور، لا تكمن مشكلة بعض القنوات العربية في نقص المعلومات، فالمعرفة متاحة للجميع، بل في غياب القراءة التحليلية التي تفكك الخطاب السياسي بدلًا عن أن تردّده.
وبين إعلام ينقل الرواية الدولية كما هي، وإعلام يفحصها ويعيد تركيبها، يتحدّد الفارق بين التبعية المعرفية والاستقلال الفكري.