اليوم الثاني والأربعون (2) : طهران تفرض إيقاعها في إسلام آباد.. وإسرائيل ترضخ صاغرةً في لبنان أمام “لاءات” الشيخ نعيم قاسم!
أفق نيوز| تقرير| طلال نخلة
لقد أثبت الميدان، والميدان وحده، أنه الكلمة الفصل. نجحت طهران في حشر واشنطن وتل أبيب في الزاوية، فارضةً إيقاعاً جديداً أسقط “خديعة تجزئة الساحات”. الليلة، نحن أمام تراجع إسرائيلي فعلي، واختراق دبلوماسي كبير بوصول الوفد الإيراني رسمياً إلى إسلام آباد، بعد أن أثمرت ضغوط المحور في لجم آلة القتل في لبنان. وفي قلب هذا المشهد، خرجت رسالة الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، لتضع حداً للتخبط السياسي الداخلي اللبناني، وترسم “دستوراً” لا تراجع عنه للمرحلة المقبلة.
سأضع بين يديك هذا التفكيك الشامل لمساء “الجمعة المفصلي”:
أولاً: “مجزرة السراي” وسقوط وهم التحييد الرسمي
* رسالة الدم لـ “السيادية اللبنانية”: استهداف مبنى السراي الحكومي في النبطية (استشهاد 13 عنصراً من أمن الدولة) هو رسالة إسرائيلية دموية للسلطة اللبنانية الرسمية التي استجْدَت “التفاوض المباشر”. إسرائيل تقول بوضوح: “لا فرق بين مؤسسة رسمية ومقاومة، كل شيء مباح”.
* بيان حزب الله (كشف التواطؤ): بيان الحزب حول مجزرة النبطية كان شديد اللهجة تجاه “الدولة اللبنانية” التي “هرعت لاستجداء المفاوضات تحت النار، مفرّطة بأوراق القوة”. الحزب يؤكد أن التنازلات المجانية (“سحب الشرعية من المقاومة”) لن تجلب سوى مزيد من الاستباحة والدمار.
ثانياً: المقاومة تفرض “الرد المشروط”.. 49 ضربة لتثبيت المعادلة
* “إن هذا الرد سيستمر…”: العبارة التي تكررت في بيانات المقاومة اليوم (من 39 إلى 50) تُشكل “قاعدة اشتباك جديدة”. الحزب يقول: “نحن التزمنا بالهدنة (الإقليمية)، ولأن إسرائيل خرقته، فإن نيراننا مستمرة”. هذا الربط القانوني والعسكري يُسقط الحجة الإسرائيلية بأن “لبنان جبهة منفصلة”.
* عجز الشمال: إقرار (القناة 12) وتسريبات الجيش بأن الحزب أطلق عشرات الصواريخ، واستهداف قاعدة “شراغا” (لواء غولاني) ومحيط بنت جبيل، يُثبت أن قدرات الحزب الصاروخية ومسيراته (التي تضرب كرميئيل وعكا) لم تُمَس، وأن إسرائيل عاجزة عن حماية مستوطنيها.
ثالثاً: “خاتم الأنبياء” يُعلن النفير.. تحت ظلال “إسلام آباد”
* لا تفاوض والمحور يُقصف: تصريحات رئيس البرلمان قاليباف (لبنان جزء لا يتجزأ من وقف إطلاق النار)، وتأكيدات الخارجية الإيرانية ومقر “خاتم الأنبياء”، هي إعلان وفاة لمفاوضات إسلام آباد التي كان مُقرراً أن تبدأ السبت.
* بيان “خاتم الأنبياء” (التحذير الأخير): البيان كان عسكرياً بامتياز؛ أعلن أن القوات المسلحة “يدها على الزناد”، وحذر ترامب من “استعراض هزيمته المذلة”، مؤكداً الدخول في “مرحلة جديدة لإدارة هرمز”. هذا يُعد إشعاراً بأن طهران قد تُغلق المضيق كلياً وتستأنف قصف القواعد الأمريكية (دومينو النار) إذا لم يتوقف العدوان على لبنان.
* إحباط الخديعة النووية: تصريح ترامب بأن “الإيرانيين لا يملكون أوراقاً سوى ابتزاز الممرات”، هو اعتراف مبطن بأن سلاح “المضائق” كبّل يديه، وأن حلم “تفكيك النووي” لن يتحقق.
رابعاً: رضوخ نتنياهو.. وإفشال “مجزرة الأربعاء”
* تقييد آلة التدمير: الإعلان الإسرائيلي عن توجيهات نتنياهو بتغيير سياسة الهجوم على لبنان، والتقليص الكبير للعمليات العسكرية، وحصر استهداف العاصمة بيروت بموافقات استثنائية منه شخصياً، ليس “صحوة أخلاقية”. إنه إعلان إسرائيلي خجول بوقف شبه فعلي للهجمات، ورضوخ تام لاشتراط رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف (ومقاطعة إيران المبدئية للمفاوضات) بأن لا حوار أمريكياً-إيرانياً بينما يُقصف لبنان.
* تفرعات البند اللبناني (الانتصار التفاوضي): لقد اتضح الآن أن البند المتعلق بوقف العدوان على لبنان في الورقة الإيرانية ليس مجرد “هدنة مؤقتة”، بل يتفرع منه مسار تفاوضي استراتيجي يشمل: الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، إطلاق مسار تفاوضي لتبادل الأسرى، وحصر ملف إعادة الإعمار بيد الدولة اللبنانية مجتمعة. هذا يعني سحب ورقة “المنطقة العازلة” و”التدويل” من يد إسرائيل كلياً.
خامساً: انطلاق مسار إسلام آباد.. وترامب يمارس “الابتزاز الأخير”
* وصول الوفد الإيراني: الإعلان الرسمي عن وصول الوفد الإيراني المفاوض إلى العاصمة الباكستانية، وترحيب رئيس وزراء باكستان بلقاء السبت، يؤكد أن طهران انتزعت مطلبها بوقف نزيف لبنان قبل الجلوس إلى الطاولة. إيران تذهب إلى إسلام آباد كقوة منتصرة فرضت شروطها الجيوسياسية.
* ابتزاز الـ 24 ساعة: في المقابل، تصريحات ترامب لصحيفة (NYP) بأنه يُعد خيارات عسكرية ويملأ السفن بأفضل الأسلحة لإحداث “إبادة تامة” (Complete decimation) في حال فشل المحادثات خلال 24 ساعة، لا تتعدى كونها “قنابل صوتية تفاوضية”. ترامب يُمارس تكتيك “الرجل المجنون” ليُحسن شروط نائبه (فانس) على طاولة إسلام آباد، لكن طهران تدرك أن من يتوسل الناتو لحماية سفنه لا يستطيع خوض حرب إبادة.
سادساً: رسالة الشيخ نعيم قاسم.. “لاءات” السيادة وإسقاط التنازلات
رسالة الأمين العام لحزب الله شكلت الحدث الأبرز اليوم، فهي لم تكن موجهة فقط للعدو، بل كانت “إنذاراً سياسياً للداخل اللبناني”:
* توثيق العجز الإسرائيلي: أشار الشيخ قاسم بدقة إلى تخبط جيش الاحتلال، وتغيير الأهداف الإسرائيلية مراراً (من الليطاني، إلى التقدم المحدود، ثم التدمير بالنيران). المجازر الدموية يوم الأربعاء كانت مجرد “تغطية لعجز الميدان”.
* إسقاط التنازلات المجانية: النقطة الأخطر والأهم في خطابه هي تحذير السلطة السياسية: “ندعو المسؤولين إلى إيقاف التنازلات المجانية… لن نقبل بالعودة إلى الوضع السابق”. هذا رد مباشر وصارم على تسرّع بعض الأطراف اللبنانية بقبول شروط إسرائيلية (مثل نزع سلاح بيروت أو التفاوض تحت النار). المقاومة دفعت الدم، ولن تسمح ببيعه على طاولات السياسة.
* ثلاثية السيادة الجديدة: أعاد الشيخ قاسم صياغة المعادلة الوطنية بوضوح لا لبس فيه: “نحن معًا كدولة وجيش وشعب ومقاومة نحمي بلدنا ونُعيد سيادته ونطرد المحتل”. لم يعد هناك مجال لفك الارتباط؛ المقاومة والدولة جسد واحد في معركة التحرير والدفاع.
* الاستمرار حتى النهاية: التأكيد على أن “المقاومة مستمرة حتى ينقطع النفس”، وأن التهديدات والأسلحة لن تخيف أصحاب الأرض، هو إشعار بأن أي فشل في إسلام آباد سيقابله استئناف فوري لـ “مفرمة الجنوب” ودك العمق الإسرائيلي.
الخلاصة للقيادة: الميدان يحكم السياسة
نحن ندخل يوم السبت بمعادلة واضحة: إيران فكّت حصار لبنان بالدبلوماسية الخشنة، والمقاومة اللبنانية حمَت المحور بالصمود الأسطوري.
1. رسالة للداخل اللبناني: هناك جمهور كامل للمقاومة قدم تضحيات هائلة، ومحاولة أي طيف في السلطة الذهاب نحو “تطبيع مقنع” أو تقديم تنازلات تمس سيادة لبنان وسلاح دفاعه، ستُقابل بانفجار داخلي، لأن “التطبيع يعني قطع كل الخطوط الحمراء”.
2. طاولة إسلام آباد: الوفد الإيراني يجلس غداً وأمامه أوراق قوة هائلة (هرمز مغلق فعلياً، قواعد أمريكية تحت رحمة الصواريخ، وإسرائيل عاجزة في لبنان). التفاوض سيتركز على آليات التنفيذ للبنود العشرة (الانسحاب الأمريكي، إنهاء الحرب على المحور، التعويضات)، وليس على التنازل عنها.