أفق نيوز
الخبر بلا حدود

ثبات المحور وانكسار العدوان .. قراءة في المنجز الميداني لحزب الله وفشل الرهانات الأمريكية في الساحة اللبنانية

60

أفق نيوز|

​في لحظة تاريخية فارقة، تجلى فيها الصراع بين إرادة التحرر ومشاريع الهيمنة، أطلّ الإعلان عن وقف إطلاق النار بين لبنان وكيان العدو الصهيوني كشهادة حية على رضوخ أمريكي-إسرائيلي غير مسبوق.

لم يكن هذا الإعلان، الذي حاول المجرم دونالد ترامب إخراجه في ثوب “المنجز التفاوضي”، إلا محاولة بائسة لستر عورة الفشل العسكري والسياسي الذي مني به الكيان المؤقت أمام ضربات المقاومة الإسلامية.

إن ما حدث ليس مجرد تهدئة تقنية، بل هو إقرار بفشل العدو في كسر “وحدة الساحات”، تلك العقيدة القتالية والسياسية التي شكلت المكسب الاستراتيجي الأكبر لمحور الجهاد والمقاومة.

لقد سقطت في هذه الجولة كل الرهانات التي بنيت على فرضية تخلي الجمهورية الإسلامية في إيران عن الجبهة اللبنانية، ليثبت الميدان أن “طهران” لا تزال الظهير الصلب الذي يرفض الإملاءات الأمريكية، متمسكةً بالوحدة الميدانية عسكرياً وسياسياً حتى تحقيق مصالح المحور العليا.

​”وحدة الساحات” والرهانات الخاسرة على تفكيك المحور

​لقد راهن العدو الصهيوني ومن خلفه الإدارة الأمريكية على أن الضغط العسكري الهائل والاغتيالات الغادرة قد تدفع ببيئة المقاومة والجمهورية الإسلامية نحو الانكفاء، لكن النتائج جاءت معاكسة تماماً.

تمسكت طهران بموقفها المبدئي: “لا يمكن أبداً التفرج على العدو الإسرائيلي وهو يستهدف الشعب اللبناني والمقاومة الإسلامية”.

هذا الموقف لم يكن مجرد تصريح دبلوماسي، بل ترجمة لعقيدة راسخة مفادها أن استفراد العدو بأي جبهة هو استهداف للمحور ككل.

​إن فشل العدو في إسقاط وحدة الساحات يعني عملياً سقوط الاستراتيجية الأمريكية التي حاولت طوال عقود فصل المسارات.

لبنان اليوم، بفضل هذا التلاحم، هو الرابح الأول؛ ليس فقط لأنه أوقف العدوان، بل لأنه فعل ذلك من موقع القوة.

لقد أثبت محور المقاومة امتلاكه لعدد كبير من أوراق القوة التي سمحت بفرض الشروط على العدو، بدلاً من تلقي الشروط الصهيونية المذلة التي كانت السلطة اللبنانية، في لحظات ضعفها، تميل لتجربتها عبر التماهي مع المؤامرة الرامية لنزع سلاح المقاومة.

​ المعجزة الميدانية.. كيف أدار حزب الله “القيادة والسيطرة”؟

و​على المستوى العسكري، شكل الأداء الميداني لمجاهدي حزب الله صدمة وجودية للمؤسسة العسكرية الصهيونية.

لقد توهم القادة في “تل أبيب” أن ضرب الهيكل القيادي سيفقد الحزب قدرته على المبادرة، لكن ما جرى في الأسابيع الماضية كشف عن “إدارة ميدانية عبقرية”.

لقد استطاع الحزب الاستمرار في المواجهة بمعزل عن جبهات الإسناد الأخرى عند الضرورة، محققاً استقلالية تكتيكية مذهلة وتكاملاً استراتيجياً في آن واحد.

​المجاهدون في الميدان لم يكتفوا بالدفاع، بل أداروا عمليات نوعية أوجعت العمق الصهيوني، وجعلت من القرى الحدودية مقابر للدبابات والنخبة الصهيونية.

هذا الصمود الاستثنائي هو الذي وفر “مظلة الحماية” للموقف السياسي اللبناني.

فلولا صراخ جنود العدو في أحراش الجنوب، لما رضخ ترامب ونتنياهو لمطالب وقف العدوان.

إن قدرة الحزب على الاستمرار في رشق المستوطنات بالصواريخ وتصدي المشاة في الخطوط الأمامية حتى اللحظة الأخيرة، هي التي منحت الجبهة اللبنانية الفرصة للتمسك بالمطالب المشروعة ووقف الاستباحة الصهيونية، دون القبول بعودة الوضع السابق الذي كان يتيح للعدو خرق السيادة ساعة يشاء.

​الموقف الإيراني.. الثبات الذي أربك الحسابات الأمريكية

و​لا يمكن قراءة المشهد بمعزل عن الدور المحوري لإيران.

لقد أثبتت طهران أن تحالفها مع المقاومة اللبنانية ليس تحالف “مصلحة عابرة”، بل هو وحدة مصير.

هذا الثبات الإيراني حال دون استفراد واشنطن بالقرار اللبناني، وأحبط محاولات “تدويل” الساحة اللبنانية بما يخدم أمن الكيان.

​بينما كان البعض يروج لسيناريوهات “الصفقات” على حساب دماء المقاومين، جاء الرد من الميدان ومن الدبلوماسية الإيرانية المتناغمة معه تماماً.

لقد وفر هذا التبات فرصة تاريخية للبنان لرفض “تفاوض العار”، والتمسك بحق المقاومة في الوجود والردع.

إن الردع الذي تحقق لم يكن نتيجة طاولة مفاوضات، بل كان نتيجة “توازن الرعب” الذي فرضه المحور ككتلة واحدة، حيث أدرك العدو أن الاستمرار في استنزاف لبنان يعني فتح أبواب الجحيم على كافة الجبهات.

​ عقيدة “لن نستسلم” والجهوزية كضمانة وحيدة

و​تتجلى عبقرية القيادة في كلمات الشيخ نعيم قاسم التي رسمت الحد الفاصل بين الكرامة والارتهان: “إذا حدا فكر يستسلم يروح يستسلم لحاله، أما نحن فلن نستسلم سنبقى في الميدان حتى لو بقينا إلى آخر نفس”.

هذه الروح القتالية هي التي حولت “التهدئة المؤقتة” من صك استسلام إلى محطة لالتقاط الأنفاس مع بقاء الأصابع على الزناد.

​إن إثارة الأجواء الإيجابية بالإعلان عن وقف إطلاق النار لا يعني الركون إلى نيات العدو؛ فالمقاومة تدرك تاريخ الكيان الأسود في نقض المواثيق والاتفاقيات.

لذلك، تبقى “الجهوزية العالية” هي الضمانة الوحيدة.

وهذه الجهوزية اليوم لا تقتصر على جغرافيّة لبنان، بل هي ممتدة عبر كامل جغرافيا المحور.

وحدة الساحات تعني أن أي حماقة صهيونية قادمة لن تُقابل برد من جبهة واحدة، بل بزلزال يضرب أركان الكيان من كل حدب وصوب.

​تهاوي السلطة اللبنانية أمام خيار المقاومة

​لقد كشفت هذه الجولة عقم الرهانات السياسية الداخلية التي حاولت تجريب “المقاومة السلمية” أو التماهي مع الطروحات الأمريكية لنزع السلاح.

أثبتت الوقائع أن القوة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها العدو.

السلطة اللبنانية التي اتجهت في مرحلة ما نحو محاولة إضعاف الغطاء السياسي للمقاومة، وجدت نفسها مضطرة للاحتماء بإنجازات الميدان لتحسين شروطها التفاوضية.

​إن لبنان اليوم يخرج من هذه المواجهة بفضل “ثلاثية القوة” (الميدان، ثبات المحور، ووضوح الرؤية القيادية).

لقد فشل العدو في تحقيق أهدافه المعلنة، من إعادة مستوطني الشمال إلى سحق البنية التحتية للحزب، وبقي الحزب رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة إقليمية قادمة.

​الختام: ملامح الفجر الجديد للمقاومة

​في المحصلة، إن ما شهده لبنان هو انتصار لإرادة المستضعفين على غطرسة المستكبرين.

لقد أثمر ثبات الموقف الإيراني وتضحيات مجاهدي حزب الله رضوخاً أمريكياً صهيونياً تجلى في التراجع عن سقف المطالب العالية.

​إن “الكيان المؤقت” يعيش اليوم أزمة وجودية عميقة؛ فهو لم يعد قادراً على حسم معاركه، ولا على حماية مستوطنيه، ولا على فك الارتباط بين جبهات المحور.

وبالمقابل، يخرج محور المقاومة أكثر تماسكاً، معززاً بمكاسب استراتيجية ستغير وجه المنطقة.

سيبقى المقاومون في ميادينهم، وسيبقى السلاح مشرعاً، لأن الضمانة ليست في أوراق ترامب ولا في وعود واشنطن، بل في سواعد الرجال الذين آمنوا بأن “النصر صبر ساعة”، وأن “وحدة الساحات” هي القدر المحتوم الذي سيمحو أثر الاحتلال عن خارطة المنطقة.

إنها مرحلة جديدة عنوانها: نحن نُملي الشروط، والعدو يتجرع مرارة الفشل.

يمانيون