أفق نيوز
الخبر بلا حدود

اليد على الزناد: 45 يوماً من الإعجاز الميداني أنهت العنجهية الصهيونية

60

أفق نيوز | 

 

قراءة استراتيجية في انتصار لبنان والمقاومة : 2184 عملية عسكرية، 158 دبابة محترقة، استنزاف الدفاعات الجوية، إسقاط المسيرات، عودة الأهالي إلى الجنوب، واعتراف إسرائيلي بالفشل

في مشهد تاريخي استثنائي يجسد أروع معاني الصمود والتضحية والإرادة التي لا تلين، كتبت المقاومة الإسلامية في لبنان، بدماء شهدائها وصمود مجاهديها، ملحمة نصر جديدة أضافت فصلاً مشرقاً إلى سجل الإنجازات الحافلة. فبعد 45 يوماً من المعارك الضارية التي خاضتها على جبهة جنوب لبنان، أعلنت المقاومة تحقق نصرها في معركة “العصف المأكول”، منهيةً بذلك مرحلة من أشرس المواجهات التي شهدتها المنطقة، ومُثْبتةً -مرة جديدة- أن إرادة الشعوب المجاهدة أقوى من أحدث ما أنتجته التكنولوجيا العسكرية الصهيونية.

 المشهد الافتتاحي – الميدان يتحدث

عند منتصف ليل الخميس – الجمعة، وفي تمام الساعة التي كان فيها العالم يترقب مصير المواجهة، دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، ليكون إعلاناً لانكسار العنجهية الصهيونية أمام ثبات وعزم لمجاهدين في المقاومة مع بقية المحور، فما تم الإعلان عنه من هدنة لعشرة أيام يجسد انعكاسا لواقع ميداني جديد فرضته إرادة المجاهدين على الأرض، والصواريخ والدبلوماسية الإيرانية. وفي هذا السياق، أكد عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب حسين الحاج حسن أن الإدارة الأمريكية برئاسة ترامب لم تجد مفراً من الاستجابة للضغوط الإيرانية، ما أدى -بالتبعية- إلى إلزام مجرم الحرب بنيامين نتنياهو بالقبول بالهدنة.

وخلال 45  يوماً من المواجهة، أصدرت المقاومة الإسلامية في لبنان 1828 بياناً عسكرياً، أعلنت فيها عن تنفيذ 2184 عملية عسكرية متنوعة، وذلك في الفترة الممتدة بين الثاني من مارس والسادس عشر من أبريل الجاري، وبمعدل يصل إلى 49 عملية يومياً. هذا الجهد العسكري والعملياتي كان إحدى ثمار الإرادة القتالية والخطط الميدانية المحكمة، والتوكل على الله عز وجل، والاستبشار بنصره.

شملت عمليات المقاومة التصدي لقوات العدو الصهيوني المتوغلة، واستهداف مواقع العدو وثكناته وقواعده العسكرية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، إضافة إلى استهداف “المستوطنات” المقامة على الأراضي المحتلة بالمسيرات الانقضاضية والنيران الصاروخية المتنوعة، بدءاً من الحدود اللبنانية الفلسطينية وصولاً إلى ما بعد “تل أبيب”، في عمقٍ تجاوز 160 كيلومتراً. ومن خلال مجريات المعارك والتنوع في أساليب القتال، والامتداد الجغرافي للنيران، تأكَّدَ أن المقاومة أجادت إدارة المعركة الدفاعية وخوض حرب الاستنزاف الشاملة: استهدفت العدو في عمقه البشري والاقتصادي والنفسي، وفرضت عليه معادلة “الجبهة الداخلية مقابل الجبهة الداخلية”، التي أثبتت فعاليتها في كسر شوكة الآلة العسكرية الصهيونية.

 النصر المعلن – اليد باقية على الزناد

في بيانها الـ1829، الذي حمل إعلان النصر، أكدت المقاومة الإسلامية أن الملاحم التي خاضها المجاهدون قل نظيرها في البأس والشجاعة والاستبسال، وأن آلة القتل الإسرائيلية -رغم إطباقها الاستخباري وتوحشها الناري- لم تتمكن من ثني المجاهدين عن النهوض والاستمرار بواجبهم الوطني والإنساني والديني في حماية وطنهم وشعبهم. مؤكدة -في ذات السياق- أن اليد باقية على الزناد، احتسابا لغدر العدوّ ونكثه، في تأكيد على الاستيعاب الكامل لطبيعة العدو الصهيوني الذي اعتاد نقض المواثيق والاتفاقات، وهي رسالة واضحة بأن المقاومة ستبقى في حالة جهوزية تامة، وجاهزة للرد على أي خرق أو عدوان جديد.

 بيروت تحتفل – مشاهد العودة والنصر

مع إعلان سريان اتفاق وقف إطلاق النار، تحولت شوارع بيروت والضاحية الجنوبية إلى ساحات احتفال شعبية عارمة، جابت فيها السيارات المزيّنة بالأعلام، وأطلقت الأهازيج الوطنية، في تعبير تلقائي عن الفرحة بالنصر الذي تحقق بدماء الشهداء وتضحيات الأبطال.

مظاهر الفرح امتدت من العاصمة بيروت وصولا إلى الطرقات المؤدية إلى جنوب لبنان، حيث شهدت زحمة سير خانقة بسبب كثافة المواطنين العائدين إلى

مدنهم وبلداتهم، فور دخول الهدنة حيز التنفيذ. هذه العودة الجماهيرية الفورية -التي بلغت ذروتها بعد ساعة واحدة فقط من إعلان وقف إطلاق النار- كانت بمثابة استفتاء شعبي على النصر، ورفض للإملاءات الإسرائيلية التي كانت تهدف إلى منع عودة الأهالي إلى ما دون الليطاني.

وفي مشهد يعكس روح التحدي اللبناني، تمكن الأهالي من إعادة فتح جسر القاسمية الذي دمّره العدو الإسرائيلي، وعبَروا بكثافة إلى المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، متحَدين بذلك التهديدات الإسرائيلية التي توعدت بتحويل المنطقة إلى منطقة دمار،  كما عمل الجيش اللبناني -منذ بدء سريان الهدنة- على فتح ممرات جديدة لعبور المواطنين، بعد أن دمّر العدو الجسور الرئيسية في محاولة لفصل المناطق.

هذه المشاهد، التي نقلتها وسائل الإعلام العالمية، كانت الصورة الأكثر إيلاماً للكيان الصهيوني، الذي راهن على كسر إرادة اللبنانيين، فإذا بهم يعودون إلى ديارهم بفخر وعزة، رافعين صور شهيد الإسلام والإنسانية السيد حسن نصرالله وبقية الشهداء العظام.

 اعترافات بالفشل واتهامات بالخيانة

مع انقشاع غبار المعارك ودخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، بدأت تتكشف ملامح المشهد الحقيقي للحرب، بعيداً عن الدعاية السياسية والعسكرية الإسرائيلية التي رافقت بدايتها، فقد جاءت الاعترافات الإسرائيلية لتؤكد أن النتائج جاءت معاكسة تماماً لما سعى إليه مجرم الحرب نتنياهو.

في هذا السياق، لخصت صحيفة “معاريف” العبرية أول مؤشرات الإخفاق واتساع الفجوة الهائلة بين سقف التوقعات والنتائج الفعلية، قائلة: “خرجنا إلى حرب زئير الأسد وعدنا مع مواء القط”. وهو ما يكشف القدر الكبير من الإحباط والمرارة، ويعكس مدى الأزمة في الأداء الاستراتيجي الصهيوني، حيث انتقل العدو من موقع التهديد والإملاء إلى موقع البحث عن مخرج رغما عنه.

إذاعة “جيش” العدو أيضا نقلت عن مسؤول إسرائيلي كبير إقراره بالدور الإيراني في فرض مسار التهدئة، ما يعني أن “إسرائيل” لم تنجح في فصل ساحة لبنان عن إيران، بل وجدت نفسها مضطرة للتعامل مع معادلة فرضتها طهران ومحور الجهاد والمقاومة.

وفي الداخل الإسرائيلي، أشعلت عودة سكان جنوب لبنان إلى قراهم وبلداتهم موجة غضب عارمة في أوساط المغتصبين الصهاينة والمستويات السياسية في الكيان، فقد وصف رؤساء مغتصبات شمال فلسطين المحتلة الاتفاقَ بأنه “صك استسلام” و”خيانة” علنية”. وتصاعدت الانتقادات ضد المجرم نتنياهو، فيما أقرّ المحلل العسكري الصهيوني “آفي أشكنازي” -في صحيفة “معاريف”- بأن حرب “زئير الأسد” أوصلت “إسرائيل” إلى أصعب وضع، معتبراً أن ما يجري هو “خدعة سياسية من مستوى قيادي لا يعرف كيف يبرر فشله”.

وفي ذات السياق، أفاد موقع “القناة 12” الإسرائيلية بأن ضباطاً في “الجيش” نفوا إبلاغهم بوقف إطلاق النار، واصفين الساعات الحالية بـ”الأكثر خطورة”. وهو ما يكشف حجم الفوضى التي يعيشها العدو الصهيوني في أعقاب هذه المعركة.

كيف انتصرت المقاومة؟

ما تحقق في معركة “العصف المأكول” كان نتاجا لتكامل القرار الاستراتيجي مع الأداء العملياتي، وتراكم خبرات، وتطوير قدرات، وإدارة حكيمة للموارد. ويمكن قراءة إنجازات المقاومة من خلال المحاور التالية:

استباق العدوان المقرر مسبقاً: قبل أن تطلق المقاومة صواريخها، كان “الكابينت” الإسرائيلي مجتمعاً على قرار بدء شن عملية عسكرية واسعة ضد لبنان، ما يعني أن العملية الاستباقية للمقاومة كانت خارج إطار التوقعات، خاصة وأن التحليلات العبرية والعالمية طوال الأشهر الخمسة عشر السابقة كانت تشير إلى أن حزب الله قد تلقى ضربة قوية في حرب عام 2024، وأنه غير قادر على خوض مواجهة جديدة. وهذا الاستباق أدى إلى إرباك صناع القرار الصهيوني، وإفشال البرنامج الذي كان موضوعاً، ما منح المقاومة القدرة على إدارة المعركة من موقع الريادة وليس الاستجابة.

 اختيار التوقيت المناسب في سياق حرب إقليمية: كان العدو الإسرائيلي يعمل قبل الحرب على برنامج “قضم القدرات” التدريجي للمقاومة، من خلال الاستهدافات وتثبيت المواقع جنوب الليطاني، دون الانتقال إلى مستوى الحرب الشاملة، لكن المقاومة كانت واضحة في أنها لن تلتزم طويلاً باتفاق يخرقه العدو، وجاءت اللحظة المثلى للبدء بالأعمال العسكرية بالتزامن مع بدء العدوان الإسرائيلي – الأمريكي على إيران، حيث شتتت الحرب الإقليمية القدرة العسكرية الإسرائيلية بفعل المسافة الجغرافية وحجم الجغرافيا الإيرانية التي تتطلب عدداً كبيراً من المقاتلات والموارد العسكرية.

 المنع والصد للهجوم نحو الليطاني: كان الهدف الأول للعدو منذ بداية العدوان هو الوصول إلى نهر الليطاني، وجعل المنطقة الممتدة من الحدود إلى النهر منطقة منزوعة السلاح، لكن الحملات العسكرية البرية التي شنها لتحقيق هذا الهدف قوبلت بعمليات كر وفر من قبل مجاهدي المقاومة، جعلت العدو غير مستقر في المناطق التي تمكن من التثبيت فيها، وأفشلت مخططه للسيطرة على الأرض.

 تحقيق مباغتة أمنية واستعادة العافية الاستخبارية: قرار العمل الاستباقي حقق للمقاومة قدرة على الحفاظ على وضعها الأمني من خلال ترتيبات محددة جعلت العدو غير قادر على تحقيق أي منجز أمني. وهذا يشير إلى استعادة العافية الاستخباراتية للمقاومة، وقدرتها على حماية أسرارها العملياتية، رغم ما تعرضت له من ضربات سابقة استهدفت مستويات القيادة وشبكات الاتصال.

التكيف مع الحرب التكنولوجية المتقدمة: ما تعرضت له المقاومة من هزات في السابق كـ”أجهزة البيجر” والاستهدافات الدقيقة للقيادات، كان ينذر بخطر حقيقي بفعل التطور التكنولوجي الهائل الذي يمتلكه العدو، لكن حزب الله -الذي أثبت أنه مقاوم للهشاشة بامتياز- خاض المعترك التكنولوجي، وطور قدراته العسكرية التقنية. ورغم تطور العدو وتقدمه، فإن نجاح الأعمال العسكرية للمقاومة أثبت مدى نجاعة تكيفها مع هذا التحدي.

إثبات قدرة الإدارة والسيطرة الجبهوية الشاملة: عوامل كثيرة خلال الحرب أكدت المستوى المرتفع للمقاومة في القيادة والسيطرة على صعيد الجبهة، فالمقاومة أظهرت مرونة كبيرة في التعامل مع العمليات العسكرية البرية للعدو الإسرائيلي، من خلال عمليات الكر والفر، وأظهرت قدرة متقدمة في إدارة نيرانها الصاروخية بدقة وفعالية، كما ظلت خطوط الدعم والإمداد من النقاط الخلفية إلى النقاط الأمامية مفتوحة طوال فترة الحرب. وهذا مؤشر على قدرة لوجستية وتنظيمية فائقة.

إيقاف العدوان بدعم إيراني: استطاعت المقاومة في لبنان، من خلال صمودها على الجبهة ومنع العدو من تحقيق أي منجز عسكري، وبالتوازي مع الدعم الإيراني في المفاوضات، أن توقف العدوان على لبنان، وهذا يؤكد قوة محور المقاومة ومستوى التشبيك والتنسيق بين أضلاعه، حيث كانت الجبهة اللبنانية جزءاً من استراتيجية متكاملة.

  إلحاق خسائر فادحة تعقد تكرار العدوان: استطاعت المقاومة -خلال المعركة- أن تجعل المنطقة الشمالية من الأراضي المحتلة مناطق مدمرة، خاصة ما يتعلق بقواعد وثكنات جيش العدو، كما تعمدت المقاومة في اشتباكاتها البرية أن تكون استهدافاتها لقوات العدو كبيرة وذات طابع تدميري ومؤلم، لترسيخ أن الدخول إلى المناطق اللبنانية له كلفة عالية جداً. هذه الرسائل النارية تثير قلق صناع القرار الإسرائيليين، وتجعل من عملية صنع القرار عملية معقدة تخضع للتشكيك والتردد.

 إسقاط النظرية الأمنية: كان الهدف من النقاط الخمس التي احتلها العدو بعد معركة “أولي البأس”، إيهام المستوطنين بأن أمن “شمال فلسطين المحتلة” قد عاد، وأن قوات العدو المتمركزة في العمق اللبناني تشكل مانعاً لعودة حزب الله، لكن ما جرى خلال الحرب أثبت أن كل ما تكلمت عنه القيادة الإسرائيلية عن استعادة الأمن هو مجرد وهم، فحزب الله شن عملياته من المناطق التي أكد العدو أنها خالية من أي وجود له، وجعل من مستوطنات الشمال مناطق خطرة لا يمكن أن تكون آمنة في ظل استمرار العدوان على لبنان.

 أعمدة الضغط الأربعة – كيف أجبرت المقاومة العدو على التراجع؟

يمكن تحديد أربعة أعمدة ضغط رئيسة، عملت بشكل متكامل ومتراكم، وأجبرت العدو على قبول وقف إطلاق النار:

أولا: كسر الذراع المدرعة وتدمير هيبة “الميركافا”: نجحت المقاومة في تحويل سلاح المدرعات الإسرائيلي -الذي يمثل رأس الحربة في أي هجوم بري- إلى نقطة ضعف قاتلة. ففي “مقابر المدرعات” التي تم إنشاؤها في محاور الخيام وعيترون- عيناتا- بنت جبيل والطيبة- القنطرة- دير سريان والقوزح- دبل- بيت ليف- رشف والناقورة- البياضة- وشمع، تم تدمير أكثر من 158 دبابة وآلية عسكرية خلال 44 يوماً فقط. هذا التدمير المنهجي والموثق شكل ضغطاً هائلاً على العدو من عدة اتجاهات: التكلفة البشرية التي لا تطاق لكل طاقم دبابة مدمرة، والتكلفة المادية الباهظة لملايين الدولارات التي تبلغها قيمة كل دبابة، والفشل الاستراتيجي الذي أثبت أن هدف “التوغل البري” أصبح مستحيلاً، والتحطيم المعنوي لمشاهد الدبابات وهي تحترق ويعجز العدو عن سحبها.

 ثانيا: فرض معادلة “الجبهة الداخلية مقابل الجبهة الداخلية” لم تسمح المقاومة بأن تكون الحرب محصورة في الأراضي اللبنانية، بل نقلت المعركة بفعالية إلى عمق العدو الإسرائيلي، فالقصف الصاروخي والمسيرات الانقضاضية بشكل شبه يومي على “المستوطنات” شمال فلسطين المحتلة (كريات شمونة، المطلة، نهاريا)، والوصول إلى مدن رئيسية مثل حيفا (الميناء، المصافي، مصانع رفائيل)، ومحيط “تل أبيب” (قواعد عسكرية على بعد 120-160 كلم)، كل ذلك خلق ضغطاً متعدد الأوجه.

كما أن إخلاء عشرات “المستوطنات” بشكل كامل حوّل شمال فلسطين المحتلة إلى “مدينة أشباح”، ما أدى إلى شل الزراعة والصناعة والسياحة، وخلق أزمة اقتصادية داخل الكيان. كما أن كل صاروخ أو مسيرة تطلقها المقاومة يجبر منظومات الدفاع  على إطلاق صواريخ اعتراضية باهظة الثمن، ما يمثل استنزافاً مالياً هائلاً. والأهم، أن وصول الصواريخ والمسيرات إلى حيفا و”تل أبيب” حطم “فقاعة الأمان” لدى الصهاينة، وأثبت أن “الجبهة الداخلية” للعدو بأكملها ليست بمأمن.

ثالثا: الاستنزاف البشري والمعنوي لقوات النخبة: تركزت الخسائر في أطقم الدبابات، ووصلت إلى قوات “المشاة” و”النخبة” الصهيونية التي حاولت التوغل في البلدات، فقد نفذت المقاومة كمائن نوعية ومركّبة، باستخدام العبوات الناسفة والاشتباكات المباشرة في محاور متعددة، والسجل العسكري للمقاومة مليء بعبارات مثل “إيقاع أفرادها بين قتيل وجريح”، و”كمين لقوة مترجلة”، و”اشتباك من مسافة صفر”.

لقد أثبتت المقاومة تفوقها المطلق في قتال المدن والعصابات، وحولت البلدات إلى مصائد مميتة لقوات المشاة الإسرائيلية التي لا تجيد هذا النوع من القتال، كما أن نجاح الكمائن المتكرر يدل على فشل استخباري إسرائيلي في كشف تحركات المقاومة وقراءة الميدان، فالصهاينة شديدو الحساسية تجاه مقتل “الجنود”، خاصة عندما لا يكون هناك أي إنجاز ميداني واضح، ما شكل ضغطاً سياسياً لا يمكن تجاهله.

 رابعا: تقييد التفوق الجوي و”إعماء” العدو : هذا هو العامل الأكثر تطوراً، حيث استهدفت المقاومة إحدى أهم ركائز العقيدة العسكرية الإسرائيلية، والمتمثلة في التفوق الجوي والاستخباري، فقد تم إسقاط مسيرات استراتيجية من نوع “هيرمز 450” فوق بنت جبيل وغيرها، وتم استهداف “قاعدة ميرون” للمراقبة الجوية، و”موقع رأس الناقورة” للرصد البحري، وقواعد التحكم بالمسيرات. كما تم استخدام صواريخ دفاع جوي لإجبار الطائرات الحربية والمروحيات على التراجع في عدة مناسبات.

وأدت عمليات إسقاط المسيرات وضرب قواعد الرصد إلى إفقاده جزءاً مهماً من قدرته على جمع المعلومات الاستخباراتية في الوقت الحقيقي، ما جعله “أعمى” في الميدان، ورفع من خطورة أي عملية برية. كما أن الطائرات والمروحيات التابعة للعدو الإسرائيلي لم تعد قادرة على التحليق بأمان مطلق فوق لبنان، ما قيّد قدرتها على دعم “القوات البرية” وتنفيذ العمليات بفعالية.

من الضغط التكتيكي إلى الإجبار الاستراتيجي

إن ما تحقق في معركة “العصف المأكول” يعتبر تحولا استراتيجيا حقيقيا في موازين القوى مع العدو الصهيوني، فقد وجدت “قيادة” العدو نفسها عاجزة عن تنفيذ الخيار البري باعتباره مدمرا ومكلفا، وفي ذات الوقت فالصهاينة في حالة استنزاف دائم، تتضاعف خسائرهم المادية والمعنوية مع كل لحظة تمر، أم التفوق الجوي فلم يعد مطلقاً للعدو، وفي مثل هذه الظروف يصبح الاستمرار في القتال قراراً غير مجد، ويتحول وقف إطلاق النار من خيار إلى ضرورة استراتيجية لا مفر منها.

أما المقاومة، فقد خرجت من هذه المعركة أكثر قوة وصلابة، وأكثر خبرة وتطوراً، وأكثر ثقة بقدراتها وإمكاناتها، ومعادلات الردع التي تم تثبيتها في هذه الجولة ستكون الأساس لأي معادلات قادمة. والمقاومة، التي تؤكد أن “يدها باقية على الزناد”، و”أنها تتحسب لغدر العدو ونكثه”، ترسل رسالة بأن المعركة لم تنتهِ، وإنما كانت محطة في مسيرة طويلة من الصراع مع العدو الأول للأمة الإسلامية.

ختاماً، يبقى القول إن معركة “العصف المأكول” ستبقى علامة فارقة في تاريخ الصراع مع الكيان الصهيوني، ودرساً مهماً لكل من يظن أن المقاومة يمكن كسرها أو هزيمتها، فقد أثبت اللبنانيون -بمقاومتهم وشعبهم- أن الإرادة تصنع المستحيل، وأن الدماء الزكية للشهداء تروي شجرة النصر، وأن راية المقاومة لن تسقط أبداً.

 

نقلاً عن موقع أنصار الله