أفق نيوز
الخبر بلا حدود

القرآن كمنهج وعي وموقف .. دلالات استراتيجية في محاضرة السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي

63

أفق نيوز| تقرير| طارق الحمامي 

تشكل المحاضرة الثالثة للسيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي ضمن سلسلة “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم” محطة فكرية وتربوية بالغة الأهمية، لما تضمنته من مضامين عميقة تتصل بعلاقة الأمة بالقرآن الكريم، وبكيفية بناء الوعي والبصيرة في مواجهة التحديات الكبرى التي تستهدف الأمة في مختلف المجالات، وقد جاءت المحاضرة في ظرف حساس تعيش فيه الأمة الإسلامية ذروة المواجهة مع مشاريع الهيمنة والاستهداف، لتؤكد أن القرآن ليس مجرد كتاب للوعظ الروحي أو التلاوة الشكلية، وإنما هو مشروع هداية متكامل لبناء الإنسان، وصناعة الوعي، وتحصين الأمة، وإعدادها لمواجهة الأخطار قبل وقوعها.

أهمية الإصغاء والتفهم في العلاقة بهدى الله

ركز السيد القائد على قضية جوهرية تتمثل في ضرورة الإصغاء الواعي لهدى الله سبحانه وتعالى، مؤكداً أن الانتفاع الحقيقي بالقرآن لا يتحقق بمجرد القراءة السطحية أو التفاعل العاطفي المؤقت، وإنما عبر حالة من التفهم العميق، وتوطين النفس على الالتزام العملي بما يقدمه القرآن من توجيهات ومفاهيم ومواقف،
وهذه الرؤية تعيد صياغة العلاقة مع القرآن باعتبارها علاقة مسؤولية وليست علاقة طقوس شكلية، فالإصغاء هنا لا يعني السماع فقط، بل يعني الاستعداد النفسي والعقلي لتلقي الهداية والتفاعل معها باعتبارها منهج حياة، وتبرز أهمية هذا الطرح في واقع تعيش فيه الأمة حالة من التشويش الإعلامي والثقافي والفكري، حيث أصبحت أدوات التضليل أكثر تعقيداً وتأثيراً، الأمر الذي يجعل الحاجة ملحة إلى وعي قرآني عميق يستطيع أن يميز بين الحق والباطل، وبين المواقف الصحيحة والمواقف التي يجري تزييفها وتسويقها للأمة.

الوعي والبصيرة ضرورة وجودية في زمن المواجهة

من أبرز المضامين التي أكد عليها السيد القائد أن الأمة اليوم في أمسّ الحاجة إلى مستوى عالٍ من البصيرة والوعي، خصوصاً في ظل الحملات التي يشنها اليهود وأدواتهم ضد الأمة الإسلامية في مختلف المجالات السياسية والثقافية والإعلامية والعسكرية، ويحمل هذا الطرح بعداً استراتيجياً مهماً، إذ ينقل المعركة من مجرد مواجهة عسكرية إلى معركة وعي وإدراك وفهم، فالأمم لا تُهزم فقط بالسلاح، بل قد تُهزم من الداخل عندما تفقد وعيها، أو عندما تصبح فريسة للتضليل والحرب الناعمة، وفي هذا السياق، يشير السيد القائد إلى أن الإنسان إذا لم يكن ملتزماً بهدى الله التزاماً عملياً حقيقياً، فإنه سيكون عرضة للتأثر بحملات التضليل مهما كانت الدلائل الواضحة أمامه، وهذه إشارة بالغة الأهمية إلى أن الانحراف لا ينتج دائماً عن غياب الحقائق، بل قد ينتج عن ضعف الالتزام القيمي والإيماني، وعن غياب المناعة الفكرية والروحية.

خطورة الإهمال والغفلة في الصراع مع اليهود

توقفت المحاضرة عند قضية محورية تتمثل في ضرورة الاهتمام بالقضايا التي يقدمها القرآن الكريم وإعطاء كل قضية أهميتها الواقعية في إطار الصراع مع اليهود ، وعدم التعامل مع هذه القضايا بحالة من اللامبالاة أو الغفلة، ويكشف هذا الطرح عن فهم عميق لطبيعة الصراع، حيث يؤكد السيد القائد أن أخطر ما تستفيد منه قوى الهيمنة والاستهداف هو حالة الإهمال والغفلة داخل الأمة، لأن هذه الحالة تهيئ أرضية خصبة للاختراق والاستباحة من الداخل، فحين يغيب الوعي، وتضعف المسؤولية، وتُهمَّش القضايا الكبرى، يصبح المجتمع عرضة للتفكيك الفكري والثقافي والأخلاقي، وتصبح أدوات العدو أكثر قدرة على التأثير والاختراق، ومن هنا، فإن القرآن لا يكتفي بتشخيص الأخطار، بل يعمل على بناء حالة يقظة دائمة داخل الأمة، تجعلها أكثر استعداداً لمواجهة التحديات قبل تفاقمها.

التربية القرآنية كمنهج استباقي لمواجهة الأحداث

من أهم الدلالات التي حملتها المحاضرة التأكيد على أن القرآن الكريم قام على أساس تقديم تربية عالية للمسلمين، تُمكّنهم من استباق الأحداث قبل وقوعها، حتى لا يتحولوا إلى أمة تتلقى الضربات دون قدرة على المواجهة،
وهذا المفهوم يعكس بعداً حضارياً مهماً في الرؤية القرآنية؛ فالقرآن لا يريد للأمة أن تكون ردّة فعل دائمة، وإنما يريدها أمة واعية، مبادرة، قادرة على قراءة الواقع، وفهم المخاطر، واتخاذ المواقف العملية المناسبة قبل فوات الأوان، ويشير هذا الطرح إلى أن البناء القرآني للإنسان لا يقتصر على الجانب التعبدي، بل يشمل بناء العقلية الواعية، والشخصية المسؤولة، والروح المتحفزة لحماية الأمة وصيانة استقلالها وهويتها، كما أن التربية القرآنية الاستباقية تعني إعداد الأمة لمواجهة الحرب الناعمة والحرب الفكرية والثقافية، وليس فقط الحروب العسكرية المباشرة، وهو ما يجعل القرآن مشروعاً شاملاً للتحصين الحضاري.

المواقف العملية والاستعداد الدائم لمواجهة العدو

أكد السيد القائد أن المطلوب من الأمة ليس مجرد الوعي النظري، وإنما التحرك العملي في إطار مواقف استباقية واعية، وعدم إتاحة الفرصة للعدو ليستهدف الأمة ويخترقها، وهنا تتجلى العلاقة الوثيقة بين الوعي والعمل؛ فالمعرفة وحدها لا تكفي إذا لم تتحول إلى مواقف ومسؤوليات وسلوك عملي يحمي الأمة ويصون قضاياها الكبرى، كما أن الدعوة إلى “المواقف الاستباقية العملية” تحمل رسالة مهمة مفادها أن الأمة يجب أن تتحرك وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى، لا أن تنتظر حتى تقع الأخطار ثم تبدأ بمحاولة معالجتها بعد فوات الأوان، ويعكس هذا التوجه إدراكاً عميقاً لطبيعة المرحلة التي تواجهها الأمة، حيث تتعدد أدوات الاستهداف بين الإعلام والثقافة والاقتصاد والسياسة، الأمر الذي يتطلب يقظة دائمة، وحضوراً واعياً، وتحركاً مسؤولاً في مختلف الميادين.

ختاما ..

تكشف المحاضرة الثالثة للسيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله ضمن سلسلة “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم” عن مشروع قرآني متكامل لبناء الأمة على أساس الوعي والبصيرة والمسؤولية، فالقرآن ليس مجرد مصدر للهداية الفردية، بل هو منهج لصناعة أمة قوية وواعية ومحصنة، تمتلك القدرة على فهم التحديات واستباق الأخطار ومواجهة حملات التضليل والاستهداف، كما يؤكد السيد القائد أن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمة هو حالة الغفلة واللامبالاة وضعف الارتباط العملي بهدى الله، لأن ذلك يفتح الباب أمام الاختراق الداخلي والانهيار المعنوي والفكري، وفي المقابل، فإن الأمة التي تعيش حالة وعي قرآني حقيقي، وتلتزم بهدى الله عملياً، وتتحرك بمسؤولية وبصيرة، ستكون أكثر قدرة على الثبات والصمود والانتصار في مختلف ميادين المواجهة.