إيران واليمن يعمِّدان وَحدة الساحات بالحديد والنار
أفق نيوز| أحمد الضبيبي
لم تعد المنطقة تقف عند حدود التصعيد العسكري المحدود، فقد دخلت زمنًا جديدًا تتهاوى فيه معادلات الهيمنة القديمة، وتكتب فيه خرائط القوة والنفوذ بمداد الدم والنار.
إنها لحظة تاريخية استثنائية تتعمد فيها وحدة الساحات في ميادين المواجهة، وتتجسد فيها إرادَة المقاومة كحقيقة استراتيجية راسخة لا كشعار سياسي وحسب.
فما تشهده المنطقة اليوم هي مواجهة مصيرية بين مشروع استكباري تقوده الشيطان الأكبر أمريكا، وكيان الاحتلال الصهيوني يسعى إلى إخضاع الأُمَّــة ونهب مقدراتها ومصادرة قرارها السيادي، ومشروع تحرّري مقاوم يرفع راية الاستقلال والكرامة ويرفض الخضوع لإملاءات القوة والغطرسة.
وفي قلب هذه المعادلة يبرز الموقف الإيراني واليمني بوصفه التجسيد العملي والأكثر وضوحًا لمبدأ وَحدة الساحات، حَيثُ التقت الإرادَة السياسية بالقوة العسكرية، وتوحدت البنادق والميادين في مواجهة العدوان الأمريكي والصهيوني المتواصل على شعوب المنطقة ومقدساتها وحقوقها المشروعة.
لقد أثبتت الأحداث أن إيران واليمن لم تتعاملا مع معركة فلسطين ولبنان؛ باعتبَارها معركة الأُمَّــة المركَزية وقضيتها الوجودية الكبرى، ومن هذا المنطلق جاء الانخراط المباشر في معركة الإسناد ليؤكّـد أن زمن الساحات المنفصلة قد انتهى، وأن أي عدوان على جزءٍ من محور المقاومة سيستدعي ردًا من مجمل قواه وامتداداته.
إن ما يُرسم اليوم في الميدان تأسيسٌ لمرحلة استراتيجية جديدة تتهاوى فيها رهانات الاستفراد، وتتساقط فيها أوهام التفوق المطلق التي طالما تباهى بها كيان الاحتلال الصهيوني وحلفاؤه.
فالمعادلات التي كانت تُفرض بالقوة العسكرية أصبحت اليوم موضعَ اختبار حقيقي أمام إرادَة صُلبة تمتلك من العزم ما يكفي لتحويل التهديدات إلى فرص، والضغوط إلى عوامل قوة وتماسك.
ومن قلب هذه المواجهة الكبرى يتجلى التحول الأخطر في بنية الصراع؛ إذ انتقل محورُ الجهاد والمقاومة من مرحلة الصبر الاستراتيجي الطويل إلى مرحلة الردع والمبادرة، ومن موقع امتصاص الضربات إلى موقع فرض المعادلات بقوة فعلية تتجسّد في العمليات العسكرية النوعية التي تنفذها قوى المحور بتنسيق دقيق وتوقيت مدروس، بما يعكس مستوى متقدمًا من التكامل العملياتي ووحدة القرار الميداني، في عمليات تهدف إلى إلحاق الخسائر بالعدوّ، وأيضًا إلى زعزعة يقينه الاستراتيجي، وتحطيم صورته الذهنية كقوةٍ لا تقهر.
وفي هذا السياق، رسخ اليمن حضوره كأحد أبرز أركان معادلة الردع الجديدة، معلنًا بصوت مدوٍّ موقفَه الثابتَ تجاه الملاحة المرتبطة بكيان الاحتلال الصهيوني، ومؤكّـدًا أن البحرَ الأحمر وبحرَ العرب لم يعودا فضاءً مفتوحًا أمام التغوّل “الإسرائيلية” كما كان يراد لهما أن يكونا.
لقد تحولت الإرادَة اليمنية إلى عامل مؤثر في رسم المشهد الإقليمي، بعدما أثبتت قدرتها على الجمع بين الثبات السياسي والفاعلية العسكرية في العمليات التي تنفذها القوات المسلحة اليمنية، حَيثُ أصبحت أدوات ضغط استراتيجية ذات تأثير مباشر على حسابات العدوّ الأمنية والاقتصادية والعسكرية.
كما أن الضربات الصاروخية بعيدة المدى التي طالت أهدافًا في عمق الأراضي المحتلّة كشفت عن واقع جديد تتسع فيه دائرة التهديدات أمام كيان الاحتلال الصهيوني، وتتراجع فيه مساحات الأمان وهو ما جعل المؤسّسة العسكرية والأمنية للعدو أمام تحديات متراكمة تتجاوز حدود المواجهة المباشرة إلى مستوى الاستنزاف المُستمرّ والمتعدد الجبهات.
أما الحصار البحري الذي فُرض على الملاحة المرتبطة بكيان الاحتلال الصهيوني، فقد مثّل أحدَ أكثر الإجراءات إيلامًا وتأثيرًا؛ إذ نقل المواجهة من بُعدها العسكري المباشر إلى فضائها الاقتصادي والاستراتيجي الأوسع، وأثبت أن المقاومة قادرة على الوصول إلى مفاصل التأثير الحسّاسة في بنية العدوّ ومصالحه الحيوية.
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه لغة التهديد الأمريكية والصهيونية وتزداد فيه محاولات الترهيب السياسي والعسكري، تفرض الجغرافيا السيادية نفسها كلاعبٍ حاسم في معادلة الصراع، فإيران تمسك بمضيق هرمز، الشريان الحيوي للطاقة العالمية، واليمن يفرض حضوره الاستراتيجي على مضيق باب المندب والبحر الأحمر وبحر العرب، لتتشكل بذلك منظومة ردع كبرى تمتد من الخليج إلى البحر المتوسط، وتضع المصالح الأمريكية والصهيونية أمام تحديات غير مسبوقة.
وبين هدير الصواريخ وصخب المعارك وارتجاج التوازنات القديمة، تتكشف حقيقة كبرى لم يعد بالإمْكَان تجاهلها أن المنطقة لم تعد تدار بإرادَة واشنطن وحدها، ولا ترسم خرائطها وفق رغبات كيان الاحتلال، فقد باتت هناك قوى صاعدة تفرض حضورها بقوة الميدان وثبات الموقف وصلابة الإرادَة.
إن إيران واليمن، وهما يعمّدان وَحدة الساحات بالحديد والنار، يكتبان فصلًا مهمًّا من فصول التاريخ المعاصر للمنطقة، فصلًا عنوانُه سقوطُ هيبة الاستفراد، وانكسار معادلات الهيمنة، وصعود إرادَة الشعوب الحرة إلى واجهة صناعة المستقبل.
إنها لحظة التحول الكبرى لحظة تتكسر فيها قيود الماضي، وتتراجع فيها مشاريع الوصاية والاستباحة، وتولد من بين ركام المواجهة معادلات جديدة عنوانها السيادة والكرامة والاقتدار.
ومع كُـلّ يومٍ تمضي فيه هذه المعركة، يزداد وضوح الحقيقة التي باتت تفرض نفسها على الجميع أن زمن الهيمنة المطلقة يترنّح، وأن فجرًا سياسيًّا واستراتيجيًّا جديدًا بدأ يطل من بوابات المقاومة الممتدة من طهران إلى القدس ومن صنعاء إلى الضاحية الجنوبية وإلى كُـلّ ساحات المواجهة والكرامة.