أفق نيوز
الخبر بلا حدود

بين صخب الملاعب وأنين غزة

47

أفق نيوز| وفاء الكبسي

بينما تتجه أنظار الملايين إلى الشاشات تتابع المباريات والنتائج، وتعلو الهتافات في المدرجات احتفاءً بانتصار فريق أو خسارة آخر، تقف غزة وحيدةً تحت ركام الألم، تعدّ شهداءها، وتضمد جراحها، وتواجه حربًا لا ترحم، في مشهد يكشف حجم المأساة التي يعيشها شعبٌ تُرك وحيدًا في مواجهة آلة القتل والتجويع.

ليس الخطأ في الرياضة ولا في الفرح المباح، ولكن المأساة أن يصبح دم الأبرياء خبرًا عابرًا، بينما تتحول مباراة إلى حديث العالم كله. ففي الوقت الذي تتنافس فيه المنتخبات على كأسٍ من ذهب، يتنافس أهل غزة على البقاء أحياء، وعلى لقمة خبز تسد جوع أطفالهم، وعلى جرعة ماء تروي ظمأهم، وعلى دواءٍ ينقذ مريضًا أنهكه الحصار والجوع والقصف.

هناك في غزة، لا يسمع الأطفال أصوات التشجيع، بل أصوات الانفجارات التي تقتحم أحلامهم الصغيرة. لا ينتظرون صافرة نهاية المباراة، بل ينتظرون نهاية ليلة أخرى من الخوف والرعب. أمهاتٌ يبحثن بين الركام عن أبنائهن، وآباءٌ يحملون أحزانهم فوق أكتاف أنهكها الفقد والجوع والتشريد، وشعبٌ بأكمله يواجه الموت وهو متمسك بحقه في الحياة.

وفي هذا العالم الذي صمّ أذنيه عن صرخات المظلومين، وأغمض عينيه عن مشاهد المجازر، وتبلدت مشاعره أمام صور الأطفال الجائعين والجرحى والمشردين، تتضاعف معاناة غزة يومًا بعد يوم. عالمٌ يقف طويلًا أمام هدفٍ في مرمى، لكنه يمر سريعًا أمام مشهد طفلٍ يحتضن أمه الشهيدة، أو أمٍّ تجمع أشلاء فلذة كبدها، أو عائلةٍ كاملةٍ تُمحى من سجل الحياة.

ومع ذلك، ما زالت غزة واقفةً كالنخلة في وجه العاصفة، تنزف ولا تنكسر، وتجوع ولا تستسلم، وتحاصرها الآلام من كل جانب لكنها تواصل الصمود بإيمانٍ لا يتزعزع وعزيمةٍ لا تلين. إنها تكتب بدمائها ملحمةً من الثبات والكرامة، وتقدم للعالم درسًا في الإنسانية بينما يسقط كثيرون في اختبار الضمير.

وبينما يرفع العالم كأس البطولة في الملاعب، ترفع غزة راية الصمود فوق الركام، شاهدةً على زمنٍ اختلت فيه الموازين، حتى صار أنين الجوعى ودم الأطفال أقل حضورًا في الضمير العالمي من نتيجة مباراة أو هدفٍ عابر.