ثـورة الإمام الحسين.. مشروع مواجهة لا ينتهي
أفق نيوز| عبدالله علي هاشم الذارحي
تمثل ثورة الإمام الحسين بن علي -عليهما السلام- أعظم مدرسة في التاريخ الإسلامي لمواجهة الظلم والطغيان والانحراف، فهي ليست حادثة تاريخية محصورة في زمان ومكان، ولا مُجَـرّد مأساة تستدر الدموع والعواطف، لكنها مشروع إلهي متجدد يمد الأحرار في كُـلّ عصر بقيم الصمود والتضحية والثبات في مواجهة قوى البغي والاستكبار.
قال شهيد القرآن: «ثورة الإمام الحسين -عليه السلام- حدث تستطيع أن تربطه بأي حدث في هذه الدنيا، وتستطيع أن تستلهم منه العبر والدروس».
ورغم أن الكثير مما كُتب عن عاشوراء ركّز على الجانب المأساوي والعاطفي لما جرى في كربلاء، فإن الأبعاد السياسية والعسكرية للثورة الحسينية تظل من أهم الجوانب التي تحتاج إلى مزيد من القراءة والفهم، خُصُوصًا في ظل ما تشهده أمتنا اليوم من صراعات وتحديات ومواجهات مصيرية.
البُعد السياسي لثورة الإمام الحسين
لقد جاءت ثورة الإمام الحسين (ع) رفضًا لمنهج الحكم القائم على الاستبداد والفساد وتحويل الأُمَّــة إلى أدَاة بيد الحكام الظالمين.
الإمام الحسين لخّص أهداف ثورته الخالدة بقوله: «إني لم أخرج أشِرًا ولا بطِرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت
لطلب الإصلاح في أُمَّـة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر».
لقد أدرك الإمام الحسين أن السكوت على الانحراف السياسي والديني سيؤدي إلى ضياع الأُمَّــة وانهيار قيمها، ولذلك اختار المواجهة رغم معرفته بحجم التضحيات التي ستترتب على ذلك.
قال الشهيد القائد: «إن عشق المناصب هو ما يمكن أن يضحي بالدين، ويضحي بالأمة، ويضحي بكل شيء».
ومن هنا أصبحت عاشوراء معيارًا دائمًا للتمييز بين معسكر الحق ومعسكر الباطل، وبين مشروع الحرية والكرامة ومشروع الهيمنة والاستبداد.
ولذلك لم تتوقف آثار الثورة الحسينية عند حدود كربلاء، لكنها تحولت إلى منبع إلهام لكل الثورات والحركات الرافضة للظلم عبر التاريخ.
البعد العسكري لثورة الإمام الحسين
لم تكن كربلاء مُجَـرّد مواجهة عسكرية بين قوتين غير متكافئتين، لقد كانت معركة إرادات ومبادئ وقيم.
ففي الوقت الذي امتلك فيه جيش يزيد العدد والعُدة والإمْكَانات، امتلك الإمامُ الحسين وأصحابُه الإيمانَ والوعيَ واليقين بعدالة قضيتهم، فصنعوا نصرًا من نوع آخر تجاوز حدود الميدان العسكري إلى ميادين الوعي والتاريخ والضمير الإنساني.
وهذه الحقيقة تتجلّى بوضوح في واقعنا المعاصر، حَيثُ أثبتت تجاربُ قادة وأحرار المقاومة أن امتلاكَ الإرادَة والعقيدة والوعي قد يكون أكثر تأثيرًا من امتلاك أحدث الأسلحة وأضخم الجيوش.
عاشوراء والواقع الراهن
في ظل ما تشهده المنطقة من أحداث ومتغيرات متسارعة، ومن محاولات لإخضاع وكسر إرادَة قوى المقاومة، تتجدد معاني عاشوراء بوصفها مدرسة للصمود والثبات وعدم الرضوخ لمشاريع العدوان.
ها هي كلمةُ الحسين: «والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر إقرار العبيد» ما تزال تترجم على أرض الواقع.
وعن هذا قال السيد القائد: «إن الإمام الحسين عليه السلام في نهضته المباركة هو الامتداد الأصيل للإسلام، ومن موقع القُدوة، والأسوة، والهداية، والقيادة».
فالإمام الحسين (ع) كان يدافع عن حق الأُمَّــة في أن تعيش حرة عزيزة، ولهذا بقيت ثورته حية في وجدان الأجيال، وبقيت كربلاء عنوانًا دائمًا لمواجهة الظلم والانتصار للحق.
لقد انتصر الإمام الحسين يوم استشهد، وانتصرت كربلاء يوم ظن أعداؤها أنهم قضوا عليها، وستظل عاشوراء منارة تهدي الأحرار في كُـلّ زمان ومكان إلى طريق العزة والكرامة والحرية، مصداقًا لقوله تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
صدق الله العلي العظيم.