القيادة الأمنية بين الإنجاز الميداني والافتراء الممنهج
58
Share
أفق نيوز| محمد الفائق
حين تضع المعارك العسكرية أوزارها مؤقتاً بفعل التهدئة، لا تتوقف الحرب، بل تنتقل فوراً إلى خنادق التضليل ومطابخ الزيف الإعلامي التي تديرها قوى التبعية والعمالة.
وفي المشهد اليمني، تحول الملف الأمني إلى عقدة مزمنة تؤرق مضاجع الفصائل المنضوية تحت عباءة الاحتلال السعودي والأمريكي، بعد أن عجزت بكل ترسانتها عن مضاهاة النموذج السيادي المتماسك الذي فرضته الأجهزة الأمنية في صنعاء والمناطق الحرة.
وبينما تغرق المناطق المحتلة في مستنقع الانفلات والاغتيالات، وتتحول عدن وتعز ومأرب وكل المحافظات المحتلة إلى ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات بين المرتزقة، تقف وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية في صنعاء كبنية صلبة تفرض النظام والضبط الأمني الحازم.
هذا التباين الفاضح لم يكن ليمر دون أن يستنفر الآلة الإعلامية الضخمة لتحالف العدوان، والتي سخرت كل طاقاتها لتشويه هذا الاستقرار في محاولة يائسة للتغطية على عوراتها الميدانية.
في علم المؤسسات الدولية يُعد الأمن هو الدليل القاطع على كفاءة الدولة وبسط سيادتها الحقيقية، وهنا تكمن العقدة النفسية لأدوات السعودية والإمارات؛ فالنموذج الذي تقدمه فصائل الارتزاق من انتقالي وإصلاح ومليشيات طارق عفاش في المناطق المحتلة هو في الحقيقة مستنقع وسط غابة من الفوضى المزمنة، والاغتيالات اليومية، والاغتصابات والصراعات البينية المستعرة.
أمام هذا الإنفلات الأمني الفاضح والانحلال الاخلاقي لدى تلك الأدوات الرخيصة، يمثل نجاح الأجهزة الأمنية في العاصمة صنعاء والمحافظات الحرة في ضبط الأمن وتعزيز السكينة، وتفكيك شبكات التجسس، والحد من الجريمة المنظمة صفعة سياسية وإدارية ثقيلة لمدعي الشرعية الزائفة.
لذلك، ليس أمام أطراف الخيانة والنفاق سوى اللجوء إلى سلاح التشويه الرخيص كحيلة دفاعية، بهدف إقناع المواطن اليمني واهماً بأن الفوضى تعم الجميع، وهي كذبة تفضحها الحقائق اليومية الملموسة على الأرض.
ومع كل ذلك التشويه المحموم، فالأمر لا يتوقف عند حدود التغطية الإعلامية العابرة، بل يتعداها إلى أبعاد استخباراتية صرفة.
حيث أن الاستقرار الأمني في العاصمة صنعاء والمحافظات الحرة لم يكن وليد الصدفة أو ضربة حظ، بل هو ثمرة إغلاق كافة منافذ الاختراق الاستخباراتي التي حاولت قوى الاستكبار الدولي، وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا وإسرائيل، زرعها لخلخلة الجبهة الداخلية.
وعندما تحطمت مؤامرات هذه القوى وعجزت عن اختراق العمق الأمني عبر أدواتها الميدانية، نقلت معركتها فوراً إلى الفضاء الإلكتروني ومنصات التضليل. حيث تعتمد هذه الاستراتيجية على فبركة وتسييس أي إنجاز أمني؛ فالقبض على خلية تجسس أو عصابة تخريبية أو شبكة تهريب او عصابة سرقة، يتم تصويره في إعلام تحالف العدوان كـ “انتهاك حقوقي” أو “تصفية حسابات”، والهدف الخبيث من ذلك هو محاولة ضرب الثقة بين المواطن ورجال الأمن، وخلق فجوة نفسية يسهل النفاذ منها.
لا يتوقف حقد المطابخ الإعلامية عند محاولة التقليل من الإنجازات الأمنية، بل يتعداه إلى حملات مسعورة وممنهجة لـ “اغتيال الشخصية” تستهدف القيادات الأمنية في صنعاء بشكل مباشر وشخصي.
هذه الحملات الممنهجة لاغتيال الشخصية عبر منصات التواصل والقنوات الفضائية، هي في حقيقة الأمر اعتراف صريح من قبل الأعداء بالعجز الميداني عن الوصول إليهم جسدياً أو اختراق مربعاتهم الأمنية، بل تعد محاولة رخيصة لإظهار المؤسسة الأمنية المتماسكة وكأنها بنية هشة وقابلة للانهيار، أو مجرد نفوذ شخصي لأفراد، متجاهلة الحقائق الميدانية التي تؤكد منظومة العمل الأمني بمعايير مهنية مؤسسية.
في نهاية المطاف، يدرك الأعداء قبل الأصدقاء أن الأمن هو الركيزة الأساسية للاستقرار الاجتماعي والمحرك الفعلي للاقتصاد.
بناءً على ذلك، فإن تشويه هذه المؤسسة هو امتداد للحرب العسكرية والاقتصادية بأدوات ناعمة وخبيثة.
فبقاء الجبهة الداخلية في العاصمة صنعاء والمحافظات الحرة، متماسكة يمثل حائط الصد الأخير الذي تتكسر عليه مشاريع الفوضى والتمزيق والتجزئة التي ترعاها أمريكا وأدواتها.
وتظل وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية بفضل الله، يقظة قادرة على تفكيك المؤامرات في مهدها، وفضح العملاء والجواسيس، بينما يتبقى لمطابخ العدو مواصلة الصراخ والعويل الإعلامي، لتغطية واقع مرير ومُخزٍ، يقول إن صنعاء نجحت أمنياً حيث فشل الآخرون فشلاً ذريعاً، وإن الإرادة الوطنية العصية على الاختراق والقائمة على الثقة بالله، هي وحدها الكفيلة بإفشال كل الرهانات الخارجية.